❖ المرأةُ التي أربكت يقينَ العالم ❖
كانَ كلُّ شيءٍ يمشي على سكةٍ ملساءَ من طمأنينةٍ قديمة،
الجهاتُ تحفظُ أدوارَها دون ارتباك،
والأيامُ تدورُ كعربةٍ مبرمجةٍ لا تعرفُ الانحراف،
وكان قلبي… موظفًا صغيرًا في دائرةِ النجاة،
يختمُ أيامَه بلا خطأ.
ثمّ جئتِ…
فانكسرَ الهدوءُ من الداخل،
كأنّ في الوجودِ شقًّا خفيًّا لم يكن مرئيًا من قبل،
ومن ذلك الشقّ بدأ العالمُ ينزفُ احتمالاته.
لا أذكرُ ملامحكِ كما تُذكر الوجوه،
أذكرُكِ كأثرٍ يُعيدُ تعريفَ الذاكرة،
كأنّكِ لم تدخلي حياتي بل عدّلتي نظامَ تفسيرها.
بعدكِ صارَ كلُّ شيءٍ يحتاجُ إلى تفسيرٍ جديد،
حتى المعجزاتُ بدتْ محتشمةً أمام ما حدث.
كأنّكِ كارثةٌ دخلت مدينةً نائمة،
لا تُحدثُ ضجيجًا… لكنها تُبدّلُ قوانينها من الداخل،
فتستيقظُ المدينةُ ولا تتعرّفُ إلى نفسها.
لم يعدْ لي اسمٌ ثابت،
صار اسمي احتمالًا عابرًا في فمِ الريح،
وصار قلبي شيئًا لا يُعترف به في سجلات النجاة،
جثةً شفافةً أخبئها في صدري كي لا يراها أحد.
لستِ امرأةً…
بل انزياحٌ في منطقِ الواقع،
خطأٌ تجريبيٌّ أنجبَ معجزةً دون أن يقصد.
أتأملُ يديكِ لا كعاشقٍ يبحثُ عن دفء،
بل كمن يقرأُ صدعًا في جسدِ الزمن،
كأنّ التاريخَ كله لم يكن سوى محاولةٍ بدائية
لترميمِ ما أحدثتِه في المعنى.
وفي عينيكِ…
لا أبحثُ عن وعدٍ،
بل عن السببِ الذي جعلَ السماءَ تبدو أقلَّ يقينًا،
وكأنّ صمتَكِ أقدمُ من كلِّ الكتب،
وأكثرُ قدرةً على محوِ ما قبلَه.
كيفَ لدقيقةٍ قربكِ أن تُسقطَ عمرًا كاملًا خارج التفسير؟
وكيفَ لغيابكِ أن يزرعَ في الروحِ فصولًا لا تنتهي؟
كنتُ أظنُّ الحبَّ شعورًا…
ثم اكتشفتُ أنهُ إعادةُ تشكيلٍ خفيّةٍ للوجود،
تخرجُ فيها من نفسكَ كما يخرجُ الناجي من بيتٍ لم يعد يشبهه.
ولهذا لا أسألُ: هل أحببتُكِ؟
بل أسألُ: كيف أستمرُّ في العيشِ
بعد أن رأيتُ النسخةَ الأكثر احتمالًا من المستحيل؟
وكيف أعودُ إلى العالمِ
وقد أصبحَ مجردَ نسخةٍ قديمةٍ من فكرةٍ مرّت بكِ؟
لا أخافُ رحيلكِ…
بل أخافُ ذلك الصمتَ الذي يلي مروركِ،
حين يبدو كلُّ شيءٍ طبيعيًا،
لكن الحقيقةَ تكونُ قد غادرتْ دون إعلان.
سأمشي كما يمشي الآخرون،
أحتسي قهوتي،
أصافحُ الوجوه،
وأتظاهرُ بأنّ العالمَ لم ينكسر،
لكنني في الداخل…
سأعرفُ الحقيقة البسيطة:
أن امرأةً مرّت هنا ذات يوم،
ومنذ ذلك الحين
يحاولُ الواقعُ أن يتذكّر شكلهُ القديم…
ولا ينجح.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جبران العشملي _اليمن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .