الأحد، 31 مايو 2026

عندما تتوقف الحروف بقلم الراقي محمد عربي.

 عندما تتوقّف الحروف

بقلم: محمد عربي

عندما تتوقّف الحروفُ

لا يعني أنَّ القلبَ انتهى،

بل يعني أنَّ الوجعَ

بلغَ من العمقِ حدًّا

أصبحتْ معهُ اللغةُ عاجزةً عن الصراخ.

عندما تتوقّف الحروفُ

تجلسُ القصائدُ على أرصفةِ الصمتِ

كأراملَ ينتظرنَ عودةَ الغائبين،

وتبكي الأوراقُ

كما تبكي الأشجارُ

حين يهجرها الربيعُ دونَ وداع.

كنتُ أكتبُ

فتمتلئُ المدنُ بالمعاني،

وأزرعُ حرفًا

فتنبتُ في الجهاتِ ألفُ نافذةٍ للضوء،

لكنَّني اليومَ

أقفُ أمامَ الكلماتِ

كجنديٍّ عادَ من معركةِ العمرِ

فوجدَ الراياتِ رمادًا.

عندما تتوقّف الحروفُ

تبدأُ الذاكرةُ بالكلام،

وتخرجُ الوجوهُ القديمةُ

من أدراجِ السنين،

أرى أبي وهو يحملُ تعبَ الأيام،

وأرى أمّي

تخبّئُ الدعاءَ في أطرافِ الليل،

وأرى الذين رحلوا

كأنهم ما زالوا يجلسونَ حولَ قلبي.

يا أيها الصمتُ

كم من كتابٍ كتبتهُ في داخلي

ولم يقرأه أحد،

وكم من قصيدةٍ

دفنتها تحتَ أنقاضِ المجاملة،

وكم من حقيقةٍ

ماتتْ لأنَّ العالمَ

كانَ يعشقُ الأكاذيبَ الجميلة.

عندما تتوقّف الحروفُ

أسمعُ ضجيجَ البشرِ أكثر،

أرى الأقنعةَ تسقطُ بلا استئذان،

وأرى الوجوهَ

تغيّرُ أسماءها كلَّ صباح،

وتبيعُ الأمسَ

كي تشتريَ مقعدًا في وليمةِ النسيان.

لم أتعبْ من الكتابةِ،

بل تعبتُ من قارئٍ

يريدُ الزهرةَ

ولا يفهمُ جذورَها،

ومن زمنٍ

يقيسُ الإنسانَ بما يملكُ

لا بما يحملُ في روحِه من نور.

عندما تتوقّف الحروفُ

لا تسألوا الشاعرَ لماذا سكت،

اسألوا المدنَ

كم قتلتْ من حلم،

واسألوا الطرقاتِ

كم مرَّ عليها العائدونَ خائبين،

واسألوا القلوبَ

كم دفنتْ من حبٍّ

خوفًا من الخذلان.

أنا لم أصمتْ،

لكنَّ الحروفَ

وقفتْ على حافةِ التعب،

تنظرُ إلى هذا العالمِ

وتقول:

ما جدوى الكلام

إذا كانَ الصدى أصمّ؟

وما جدوى الحقيقة

إذا كانتْ تُصلبُ كلَّ يوم؟

وما جدوى القصائد

إذا صارَ الإنسانُ

يخافُ من مرآةِ نفسه؟

عندما تتوقّف الحروفُ

يبدأُ الحزنُ بكتابةِ سيرتِه،

ويتحوّلُ القلبُ

إلى مكتبةٍ من الرماد،

وتصبحُ الذكرياتُ

آخرَ وطنٍ

يسكنه المنفيّون من الأحلام.

لكنْ...

حتى لو توقّفتِ الحروفُ يومًا،

سيبقى في الروحِ حرفٌ لا يموت،

وسيظلُّ هناكَ صوتٌ خفيّ

يقاومُ الخراب،

ويقول:

إنَّ الكلمةَ الصادقةَ

قد تتعبُ...

قد تنكسرُ...

قد تغيبُ طويلًا...

لكنّها لا تموت.

وإنْ ماتَ ال

 شاعرُ،

تبقى الحروفُ تمشي بين الناس

كأنها أثرُه الأخير

على طريقِ الخلود.

محمد عربي – الجزائر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .