السبت، 30 مايو 2026

فاصلان من نور بقلم الراقي عاشور مرواني

 فاصلانِ من نورْ


في البدء كان القوسُ بلا وترٍ،

والسهمُ نائمٌ على سريرِ الريح،

يتذكّرُ يداً أفلتَتْه.


أيتها التفاحةُ المعلّقةُ في عنقِ اللوحة،

لماذا تصدّقينَ المرآةَ كلَّ هذا التصفيق؟

الظلالُ التي خلعْناها على بابِ الحفلة

عادتْ إلى البيتِ حافيةً،

تتحسّسُ الجدرانَ كي تتذكّرَ أصحابَها.


أنا وأنتِ،

فاصلانِ من نورٍ بين جملتين طويلتينِ من العتمة،

نحوٌ بلا صرفٍ،

صرفٌ بلا معنى،

معنى يمشي على حافّةِ سؤالٍ بلا جواب.


يا أيها الصمتُ المنحوتُ على هيئةِ صرخة،

كم مرّةً بدّلْتَ جلدَكَ في منتصفِ الكلام؟

نحنُ الذين اخترعْنا الوقت كي نؤجّلَ موعدَ الغياب،

فانكسرَ الوقتُ،

وانسكبَ الغيابُ على مفرشِ الانتظار،

وشربتْه الليلةُ حتى الثمالة.


النجومُ ليستْ إلّا ثقوباً في ذاكرةِ السقف،

والذاكرةُ ليستْ إلّا حفلةَ تنكّرٍ للأمس،

والأمسُ شرفةٌ خشبيةٌ مطلّةٌ على غدٍ لم يُخلقْ،

ونحنُ نقفُ فيها،

نُدلي بأرجلِنا نحوَ الهاوية،

نرمي الحصى،

ولا نسمعُ صوتَ الارتطام.


أيها المعنى،

لا تطاردِ الكلمات،

فالصيادُ صارَ تمثالَ ملحٍ في قاعِ القصيدة،

والسمكةُ تلبسُ نظّارةً وتقرأُ نيتشه،

ثم ترفعُ رأسَها من الكتاب،

تنظرُ إليكَ،

ولا تقولُ شيئاً.


في المتحف،

اللوحاتُ تديرُ ظهورَها للزوّار،

وزهرةٌ تهمسُ للفراشةِ باسمِ الله،

والفراشةُ تطوي جناحَيْها كسؤالٍ لا يعرفُ جوابَه،

والإطارُ الخشبيُّ يتثاءب،

يُخرجُ من جوفِه غبارَ قَرنٍ مضى.


ما بينَ الحلمِ واليقظةِ

غرفةُ انتظارٍ بلا كراسي،

نجلسُ فيها على عتبةِ الفكرة،

نتبادلُ الصمتَ كهديةٍ ملفوفةٍ بأسلاكِ اللغة،

ونعرفُ أننا لن نصل.


ثم ننهضُ،

لا لنغادرَ،

بل لنرى إن كان الجدارُ يحبُّ النافذةَ بعد،

أم أن الضوءَ خانهُ العهدُ

وصارَ ظلّاً يكتبُ مذكّراتِه على جسدِ الريح.


انتهتِ القصيدةُ قبل أن تبدأَ،

وانتهى القارئُ قبل أن يكونَ،

ولم يبقَ إلّا البياضُ،

يتأمّلُ البياضَ في مرآةٍ سوداء،

ولا يجدُ فرقاً.


عاشور مرواني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .