ديوان شعري
✦ مَقَامَاتُ النُّورِ الرَّمَادِيّ ✦
«فِي الرَّمَادِيِّ يَكْتَمِلُ النُّورُ وَفِي الظِّلِّ تَسْتَوِي الرُّوحُ عَلَى حَقِيقَتِهَا.»
بقلم: أ. د. أحمد عبد الخالق سلامة
مؤسس المشروع العربي لأدب الرياضيات ( الرياضيات الأدبية )
أستاذ الرياضيات وعلوم الحاسب
كاتبٌ يرى أنّ الكلمة يمكن أن تكون معادلة، وأن المعادلة قد تكون أجمل حين تُكتب بروح شاعر وأديب .
القصيدة الثالثة
3. مَقَامُ الصَّمْتِ وَنِدَاءُ الِارْتِقَاء
قَبْلَ النِّدَاءِ تَسْكُنُ الرُّوحُ الَّتِي ضَجَّتْ
وَتَخْفِتُ فِي مِدَادِي.. بَعْدَ أَعْوَامِ
كَأَنَّهَا جُرْحٌ قَدِيمٌ لَمْ يُفَسَّرْ.. بَلْ
نَسِيمٌ ضَاعَ فِي رِيحِ الِارْتِيَادِ
تَهْوِي إِلَى صَمْتٍ عَمِيقٍ لَا يُقَاسُ
وَلَا يُسَجَّلُ فِي كُتُبِ الأَسْيَادِ
صَمْتٌ يَهُزُّ جِذُوعَ قَلْبِي كَالصَّبَاحِ
إِذَا تَجَلَّى فَوْقَ أَطْلَالِ الرَّمَادِ
هُنَاكَ تَجْلِسُ نَفْسِيَ الْمَحْمُولَةُ عَطْشَى
كَدَيْرٍ صَامِتٍ.. فِي وَسْطِ بِلَادِي
تَقُولُ: «هَلْ يُولَدُ النُّورُ الَّذِي أُخْفِي؟»
«أَمْ يَبْقَى وَرَاءَ حُجُبِ السَّوَادِ؟»
فَأُجِيبُهَا: «الصَّمْتُ بَابٌ لِلْإِشْرَاقِ»
«إِذَا تَهَيَّأَتِ الرُّوحُ لِلاِسْتِعَادِ»
وَتَقُولُ: «صَمَتُّ لِأُدْرِكَ مَنْ أَنَا»
«فَإِذَا اسْتَقَرَّ.. عَادَتْ لِي أَوْتَادِي»
أَمْشِي وَأَنْفَاسِي تُرَتِّلُ سِرَّهَا
فَأَرَى سُكُونًا فِي انْكِسَارِي وَانْشِدَادِي
وَأُدْرِكُ: أَنَّ الصَّمْتَ لَيْسَ نِهَايَةً
بَلْ بَدَايَاتُ انْكِشَافِ نَهْجِ رُشَّادِي
بَلْ هُوَ تَجَلٍّ حِينَ يَحْتَجِبُ الضِّيَاءُ
وَحِينَ تَسْكُنُ خَطْوَةُ الأَجْيَادِ
تَنْطَفِئُ الأَصْوَاتُ.. لَا بُعْدٌ يُنَادِي
وَلَا قُرْبٌ يُلَبِّي نَبْرَةَ الْمِيعَادِ
فَيَقُولُ لِي: «لَا يَأْتِي النِّدَاءُ إِلَّا..»
«إِذَا سَكَنَتْ نُفُوسٌ فِي ارْتِيَادِ»
«وَالنُّورُ يَأْتِي بَعْدَ صَمْتٍ لَا يُشَابُ»
«كَمَا السَّكِينَةُ بَعْدَ يَأْسِ فُؤَادِي»
فَأَسْكُتُ.. حَتَّى تَتَفَتَّحَ الدَّوَاخِلُ
بُرْعُمَاتٍ حُرَّةً.. فَوْقَ بِلَادِي
هَذَا الصَّمْتُ نُورٌ قَبْلَ نُورٍ سَاطِعٍ
وَهَذَا هُدُوءٌ قَبْلَ بَرْقِ انْسِيَادِي
الرُّوحُ إِذَا سَكَتَتِ اسْتَيْقَظَتْ بِنُورِهَا
وَإِذَا هَدَأَتْ.. أُحْكِمَتْ أَسْرَارُ مِيلَادِي
صَوْتٌ يَقُولُ: «قُمْ.. آنَ النِّدَاءُ»
«لِللَّسَفَرِ الْمُمْتَدِّ فِي أَبْعَادِي»
فَأُجِيبُهُ: «لَبَّيْكَ.. قَدْ صَمَتُّ طَوِيلًا»
«فَاجْعَلْ صَدَاكَ يَخْتَرِقُ أَوْتَادِي»
«اجْعَلْ مِنَ النِّدَاءِ نُهُوضَ قَلْبِي»
«مِنْ بَعْدِ رَمَادٍ.. وَارْتِقَاءَ جَوَادِي»
هُنَاكَ حَيْثُ الصِّفْرُ يَجْمَعُ كُلَّ شَيْءٍ
وَيُنْجِبُ الأَعْدَادَ فِي نَبْضِ اتِّسَادِي
مَحَوْتُ ضَجِيجيَ الْمَمْدُودَ جَهْرًا
لِأَكْتُبَ بِالسُّكُونِ.. رُؤَى اعْتِمَادِي
فَمَا كُلُّ نُطْقٍ فِي المَدَى إِدْرَاكُ حَقٍّ
وَلَا كُلُّ صَمْتٍ.. ضَيَاعٌ فِي الْبَوَادِي
هِيَ الْفَرَاغَاتُ الَّتِي لَوْلَا مَدَاهَا
مَا اسْتَقَامَ لِحَرْفِيَ الْبَاكِي.. عِمَادِي
أَصِيحُ بِدَاخِلِي: «يَا نَفْسُ كُونِي..»
«نُقْطَةً تَرْنو لِمَرْكَزِ الِارْتِيَادِي»
فَالصَّمْتُ هَنْدَسَةُ الْخَفَاءِ إِذَا تَجَلَّتْ
أَعَادَتْ صِيغَةَ الرُّوحِ.. بِالرَّشَادِي
تَرَكْتُ الْقَوْلَ لِلأَفْوَاهِ.. دَرْبًا
وَطِرْتُ بِصَمْتِ قَلْبِي.. نَحْوَ شَادِي
فَفِي سِفْرِ السُّكُونِ مَسَائِلٌ كُبْرَى
تَحُلُّ عُقُودَهَا.. بِدُونِ عِنَادِي
أَرَى فِيهِ المَعَادِلَةَ الصَّعُوبَةَ تَهْدِي
إِلَى مَجْهُولِ نُورِي.. فِي اتِّحَادِي
تَقُولُ الرُّوحُ: «زِدْنِي مِنْ هُدُوئِي»
«فَإِإِنَّ بِالْهَدْءِ.. أُبْصِرُ صَحْوَ زَادِي»
تَعِبْتُ مِنَ الْكَلَامِ إِذَا تَهَاوَى
كَظِلٍّ زَائِفٍ.. فَوْقَ الرَّمَادِي
وَأَدْرَكْتُ السُّكُونَ سَمَاءَ طُهْرٍ
تُطَهِّرُ لِي.. خَفَايَا ارْتِعَادِي
فَيَا رَبَّ الَّذِي بِالصَّمْتِ نَاجَى
أَنِرْ لِي فِي السُّكُوتِ.. مَدَى سُؤَادِي
وَاجْعَلْ مِنَ الِارْتِقَاءَ سُلَّمًا لَا يَمِيلُ
وَلَا تَعْثُرْ بِهِ.. قَدَمُ انْقِيَادِي
صَمَتُّ لِأَنَّ حُسْنَ الصَّدْقِ نَبْضٌ
يُسَمَّى فِي عُلُومِ الْحُبِّ.. بَادِي
وَمَا نَفْعُ الضَّجِيجِ بِغَيْرِ قَصْدٍ؟
سِوَى خَلَلٍ.. يُبَعْثِرُ لِي سَدَادِي
رَسَمْتُ الصَّمْتَ أَبْعَادًا ثَلَاثًا
صَفَاءً.. ثُمَّ نُورًا.. ثُمَّ نَادِي
فَنَادَى مِنْ عَمِيقِ الذَّاتِ صَوْتٌ
«تَحَرَّرْ.. قَدْ بَدَا فَجْرُ الْأَمْجَادِي»
فَقُمْتُ أُؤَلِّفُ الأَرْوَاحَ شَعْرًا
يُتَرْجِمُ مَا انْطَوَى.. تَحْتَ السَّوَادِي
وَعُدْتُ مِنَ الْمَقَامِ بِنُورِ عِلْمٍ
بِأَنَّ الصَّمْتَ.. سُلَّمُ الِارْتِقَادِي
فَمَنْ نَطَقَ النَّدِيَّ فَقَدْ أَنَارَا
وَمَنْ صَمَتَ الْعَلِيَّ.. غَدَا مُرَادِي
أَنَا الآنَ أَبْنِي مِنَ الصَّمْتِ نَصّاً
رِيَاضِيَّ المَدَى.. حُرَّ الشَّوَادِي
فَلَا تَعْجَبُوا مِنْ سُكُونِي المُرَبَّعْ
إِذَا حَلَّتْ.. رُمُوزِي فِي اعْتِمَادِي
جَعَلْتُ "الخَلاءَ" فُضَاءً عَمِيقاً
لِتَظْهَرَ فِيهِ.. أَنْوَارُ الرَّشَادِي
أَرَى الصِّفْرَ قَلْباً لِكُلِّ وُجُودٍ
يَضُمُّ اللانِهَايَةَ.. فِي سَدَادِي
تَرِبْتُ بِكَفِّ السُّكُوتِ طَوِيلاً
لِأُصْبِحَ رَقْماً.. صَعْبَ الِانْفِصَادِي
إِذَا صَمَتَ المَرْءُ شَفَّتْ رُؤَاهُ
وَأَبْصَرَ مَا تَوَارَى.. فِي العِهَادِي
رَسَمْتُ لِحُزْنِي دَوَائِرَ نُورٍ
تَدُورُ حِيَالَهَا.. رُوحُ الوِدَادِي
فَمَا الصَّمْتُ إِلَّا حِسَابٌ دَقِيقٌ
لِتَصْفِيَةِ الشَّوَائِبِ.. مِنْ فُؤَادِي
أَنَا مَنْ نَفَى اللَّغْوَ عَنْ كُلِّ قَوْلٍ
لِيَبْقَى الحَقُّ.. فِي أَعْلَى المَعَادِي
تَعَالَيْتَ يَا مَنْ بَنَيْتَ البَصِيرَةْ
عَلَى صَمْتٍ.. يَهَدُّ جِدَارَ عِنَادِي
أَرَى "الرَّمَادِيَّ" مَقَاماً وَسِيطاً
يُؤَلِّفُ بَيْنَ ضَوْءٍ.. وَاسْوِدَادِي
فَلَا الأَبْيَضُ المَحْضُ يُجْلِي حَنِينِي
وَلَا الأَسْوَدُ القَاتِمُ.. زَادُ زَادِي
وَلَكِنَّ فِي الرَّمَادِيِّ حِكْمَةْ
تُوَازِنُ بَيْنَ شَكِّي.. وَارْتِيَادِي
إِذَا نَطَقَ القَلْبُ ذَابَتْ حُرُوفِي
وَأَصْبَحَتِ المَعَادِلُ.. كَالرَّمَادِي
أَنَا نَبْضُ "الرِّيَاضَةِ" حِينَ صَارَتْ
تُغَنِّي لِلْجَمَالِ.. بِلَا نَفَادِي
خَتَمْتُ مَقَامِي بِسَجْدَةِ صَمْتٍ
تُحَرِّرُنِي.. مِنَ القَيْدِ المَعَادِي
وَطِرْتُ لِأُفْقٍ بَعِيدِ القِيَاسِ
بِرُوحٍ صَفَا.. لَهَا صِدْقُ المِيَادِي
فَيَا صَمْتُ كُنْ لِي دَلِيلاً وَدَرْباً
إِذَا ضَاعَ اللِّسَانُ.. عَنِ السَّدَادِي
وَبِذَا أَمْضِي نَحْوَ مِيلَادٍ جَدِيدٍ
يَزِفُّ رُوحِي.. لِأَسْمَى أَمْجَادِي