الجمعة، 7 نوفمبر 2025

موعد بلا لقاء بقلم الراقي جبران العشملي

 موعد بلا لقاء 


فتحت كتابي،

لم أبحث عن كلمات، بل عن ملجأ.

كل صفحة كانت كنافذة صغيرة،

تضيء وجهي على غيابك.


انسكب الحبر القديم مني،

كما لو أن الذكريات لا تعرف الصمت.

بحثت عنك بين السطور،

فوجدتك تمشين هناك،

خفيفة كنسيم الصباح،

لا تترك أثراً، إلا في قلبي.


ألقيت السلام،

ورجع إليّ صدى كنبض متردد.

جلست على حافة كلمة،

خائفة من أن تكتمل بدونك.

كلمة منك كانت ستعيد ترتيب العالم،

لكن الصمت أسرع من الحروف،

والمسافة بيننا اتسعت،

كجرح يرفض الالتئام.


الحنين توسع،

حتى صار وطنًا صغيرًا أعيش فيه،

لقاء بلا موعد،

اسمك يجرح الحروف كلما ناديتك.

أصبحتِ ظلًا بين الضوء،

وصرتُ أنا رجلًا يكتبك

في الأماكن التي لا تعترف بالحدود.


اللحظة كانت مشتعلّة،

تزهر مثل شجر يرفض الفصول.

كلما حاولت الاقتراب منك،

غادرت شفاه الغياب قبلي.


في حضرة خيالك،

ركعت لصباحٍ يتسلل من رمشيك،

وصلّيت لعطرٍ يوقظ النوافذ من سباتها،

حتى الملائكة تذمّرت مني.


ثم أغلقت الكتاب،

أخفيت اللهفة بين الصفحات،

وعُدت إلى نفسي،

عارياً من الطمأنينة،

لكن ممتلئًا بالانتظار،

كما لو أن غيابك أصبح معي وحدةً كاملة.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 جــــــــبران العشملي

احتواء بقلم الراقي أحمد الجبوري

 احتواء


لماذا أراكِ في كلِ شيءٍ جميلٍ يثيرً دهشتي؟

في كلِ شيءٍ تَنْعَكِسُ رِقّتَهُ في أعماقِ الرّوح؟

حين لا أكون معكِ،

يمضي العُمرُ هدراً،

مثلُ ماء دجلة

حين لا تتناوله جداول البساتين

ولا ترتشفه أفواه العاشقين؛

فيبتلعُ البحرُ الأُجَاجُ عُذوبَته،

حين أكون معكِ،

يُصبِحُ للروح وجود

وسلسلةٌ لا تنتهي من غمرات السعادة،

ونبضٌ ينافس الحياة على الخلود،

حين أكون معكِ،

أشعر وكأنني في الظل،

أحتمي من شمس تحرق خُطايَ إليكِ

وتصفع النوافذَ الغافيةَ على الجدران، 

أنتِ أمانٌ للكلمةِ

التي تخرج من شرنقة الشعور؛

لتحتمي بِدفئِكِ من برد الجفاء،

انتِ أرّقُ من كونكِ أنثى،

أنتِ احتواء...


احمد الجبوري

6/11/2025

مرافئ الحنين بقلم الراقي طاهر عرابي

 «مرافئ المنفى»،

قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي

دريسدن – كُتبت في 07.05.2020 | نُقِّحت في 07.11.2025


أنا لا أكتب عن المنفى… أنا أعيشه.

لا كجغرافيا غريبة، بل كهواءٍ يدخل رئتيّ ويخرج منها غريبًا.

هذه القصيدة ليست حنينًا ولا شكوى، بل مرآة صدئة علّقتها في قلبي، أراقب بها وجهي حين نسي ملامحه.

إنها محاولة لأمسك بطرف الضوء، لا لتذكر حكايات العودة، بل لأتذكّر أني ما زلت هنا… قفص خارج العصفور.

غريبٌ، نعم. لكني حيٌّ في غربتي.

أنتظر أن يلفّ الزمن ويدور، ويقلبني إلى أحلامٍ من حقيقة.

كيف نعود إلى الوعد… دون أن نُطفئ في أعيننا آخر وهجٍ من الأمل؟



مرافئ المنفى


1


منذ صباح كلِّ يومٍ، وأنا مغترب،

وفي نهاية كلِّ عامٍ، أتذكَّر أني مغترب.

حتى خلفَ منعطفِ الطريق،

وفي بصماتِ الأصابع،

أرى أني مغترب.


لا شيء يشبه خطوات الغريب،

تتمدّد الأرصفةُ تائهةً،

وتمتدّ الذاكرةُ على منعطفٍ موحشٍ بجماله،

نتوقف مشدوهين: هل لنا هذا؟

ونحن غرباء.


أمشي على جمرِ الشتائمِ وقلقِ الضمير،

وأعبرُ طُرُقاتٍ لا تحمل أسماءنا،

لا تشبه دكاكينا، ولا أشجارَها تذكّر بأيِّ موسم،

ولا حتى أسماءَ أبطالٍ نحبّهم،

وهم في ذاكرتِنا وفي غربتِنا أشقياءُ بلا مأوى،

غرباءٌ، وأشدُّ غربتهم من يومِ قداستهم.


قلتُ لأصدقائي أصحاب وطنهم،

وبلغتهم، وبمشاعري، وبشاعريةِ عربِ المنفى:

علّلهم يفهمون المقاصد،

شاعرٌ في قفصٍ موصَد،

ويظنّون أنّ الحريةَ تلغي الماضي.


أصدقائي، هذه قصيدتي عن امرأةٍ من غزّة،

كتبتُها تضامنًا، علِّي أرى ثوبَها يناديني:


“يا أختَ الترابِ المشتعل،

يا أختَ الشوكِ النابتِ في الخاصرة،

ليس بوسعي إلا أن أكتب،

لا لأنَّ الكتابةَ تُنقِذ،

بل لأنّها ترفض أن تُدجَّن،

أن تُكمَّم،

أن تتعطّل أمام الهيكلِ القادمِ بخُطى ناريّة.


أنا مثلكِ،

أقفُ على قارعةِ الطريق،

أجمعُ أطرافَ لغتي،

لا لأرحل،

بل كي أظلَّ شاهدًا على ما يُدفَنُ دون شاهد.”


لفّوا الرقابَ وقالوا: من تكون أختُك؟

قلبوا وجهي، لفتهم الحيرة،

ضربوا الكفَّ بالكفِّ وبكوا عليّ،

وهمسوا: هل يهذي الغريب؟

كيف يُخاطب أختًا لا أختَ له؟


2


أنامُ تحتَ لحافٍ طيِّبِ القلب، من قطنٍ زرع في بلادٍ تشكو البرد،

وعزمَ من تلقاءِ نفسه أن يمنحني الدفءَ،

حتى لو كان مجهولَ الجنسية،

وصانِعُه لطيف،

فأشكرُه دون أن أنام…

لأنّي مغترب، والدفءُ عنوانٌ يؤخّرُ الأحلام.


لم أُولدْ عاريًا،

ولا مكشوفًا بساقينِ من الصقيع،

ولا كنتُ أعمى في فنِّ الاختيار،

أمّي كانت ترتّب الوسادة.


لكنّني لا أرى الآن في التشرّدِ إلا التشرّدَ:

واقعٌ مبتذل، يغرس الغضب في ابتسامة،

ولغتي العربيّةُ معفاةٌ من جحيمِ الفهم،

سجّلتُها في مستودعِ الأحلام،

وأخرجتُ منها ما يكفي لأزورَ المخيّم.


وأنا متأكّد،

حتى لو أمسكتُ بكلِّ أنواعِ الحمام،

ولوَّحتُ بزهراتِ التفّاحِ وعناقيدِ العنب،

يبقى السلامُ غايةَ المغترب،

سلامٌ آخر،

غير ذاكَ المسترخي على أرصفةِ الطرقات،

وفي وجوهِ العابرين إلى شموعِ البيوت.


لستُ من أحدٍ… سوى منّي.


3


أصبحتُ أستحي من القول:

إنّي متعب،

لا فائدةَ من الشكوى في قفص،

الغربةُ قفصٌ يمسك الروح ويترك الأقدام

تتأرجح بين الذهاب والعودة.


وكرةُ المحتلّينَ طليقةٌ تدور،

وتُحدِثُ في روحي صخبًا،

وأنا لا أريد أن أرى الكرة

تحطُّ مرّةً أخرى

على وطنٍ يشغله الغضب،

وكأنَّ الزمنَ مثقوبٌ،

وهم يديرونَ العقاربَ نحوَ الخراب.


الكلُّ يفكّر في مساءِ البارحة، كيفَ يهرب،

ومن يربحُنا إلى صوتِه،

يريدُ فقط خسارةَ الآخرين.

نحنُ الآخرونَ منذُ سنين،

ولا شيء سوى الأرض.


لن أطرقَ الأبواب،

لقد ضاعَ زمنُ السماع،

وصارَ السامعُ أطرشَ،

مهووسًا بالكذب، ركب على عينيه قناع،

لا يرى منه سوى نفسه.


اعذروني،

واليدانِ متشقّقتان،

كجوزٍ مرٍّ، ومحروقتانِ من لهيبِ الانتظار،

والوجهُ أحدب…

هل تتحوّلُ الغربةُ إلى كفن؟

نُحمّلُه ببلاهةٍ، مثلَ أزرارِ القميص.

يا ويلَنا من مساءلة الأ


4


ربما يُحرَقُ المرءُ في الهند،

ليتبرأ من خيانةِ الجسد،

أو يتجمّدُ في القطب،

وتلتهمُه الدببة،

أو تأكله الفهودُ في إفريقيا،

أو يُدفنُ خوفًا من العفن،

إن تُرك للزمن، حين يحين وقته،

والغريب يحمل عبء وجوده وينتظر المراسي

في طرف الجداول.


في أرضِ اللهِ الواسعة،

تتشابكُ الأضلاعُ في سلّةِ المِحن،

وأنا غريبٌ مغترب،

لا أتوجَّهُ إلى أيِّ شيء،

لأنّي أخشى أن يكرهني العتب،

وهو وحدَه قد بقي يرافقني،

ليكون حكمًا بيني وبين السبب.


معتوهٌ، أتسلى بنفاياتِ الضجر،

فضحكتُ في رأسِ السنةِ الميلادية،

وضحكتُ في رأسِ السنةِ الهجرية،

وضحكتُ في رأس سنةِ ميلادي،

وحزنتُ في رأسِ الذكريات كل يوم،

وقلتُ في نفسِ الثانيةِ التي وُلِدتُ فيها،

التي كانت الحدَّ الفاصلَ بيني وبين القادم:


استمرِّي يا نفس… لنبقَ،

لقد وُلدَ الحجرُ صائمًا،

وبات أولَ ليلةٍ يحاكي زهرَ القيم.


لم أشتكِ مرارةَ أني لا أشتكي،

ولكنّي أقولُ للراحلين عن أنفسهم:

مهلًا!


فالبقاءُ يُزيِّنُهُ الوِداد،

إن لم تكتفِ اليدُ بالمصافحة،

فالعيونُ تنادي لتحيي الرماد.


توقَّفوا عن هجرِ السماحة،

وعن الولوجِ في ظلامِ القطيعة،

فما نبتَ الشج

رُ من ماءٍ

لو لم تكنِ الأرضُ تحضنُ معادنَها الطيبة،

وتمنحهُ الدفءَ الحميد.


عابرون؟ أم راحلون؟ أم باقون؟

الغرباءُ لهم كأسٌ واحدة،

فيها ينبتُ حصنُ الوجود.


طاهر عرابي – دريسدن

صراع مع الجحيم بقلم الراقي يوسف خليل

 صِراعٌ مع الجحيم .. !


شعر: يوسف خليل


في هذهِ اللّيلةِ،

خرجتُ من فراغِ العدم،

حتى الزهورُ — تلكَ الغافلةُ عن أسرارِ الرّوح —

تسألُ الريحَ عن خبري.

وجهُ الليلِ يعرفُني،

يُناديني باسمي القديم،

كأنّي نبوءةٌ ذابتْ في كأسِ نبيذٍ حزينٍ،

تأخذني إلى السرابِ،

وأنا أبتسمُ للتيهِ كمنْ يعرفُ طريقَ الفقد.

أنا اللامبالي بعذاباتِ العشق،

أطاردُ أحلامي المكسورةَ

على جناحِ نورسٍ وحيد،

أهبطُ إلى البحرِ،

أصافحُ الدولفينَ في مرايا الأسطورةِ،

وأرى وجهكِ يطفو فوقَ الموجِ

كقمرٍ من ندم.

قلبي الصغيرُ — يا وهماً يسكنُني —

لا يجدُ في صدركِ مأواه،

وجسدي، كنساءِ الأرضِ، مكبّلٌ بالعرفِ والخوف،

لكنّ روحي…

لهيبٌ لا يهدأُ في أعمقِ صمتٍ.

كيفَ أعلّقُ نفسي على وهجكِ؟

كيفَ أستريحُ في دفءِ أنفاسكِ

حيثُ العطرُ نارٌ، والنارُ صلاة؟

أنفاسي لا تغيبُ عن ظلّكِ،

ونظراتي لا تصيرُ نهراً،

حتى قبلتي الأولى

تُولدُ من زلزالٍ لا من شفتين.

كلماتي تتحوّلُ ذهباً في رمادٍ،

أو يقيناً بعدَ التيه،

فأرتاحُ… كميتٍ

يعيدهُ النسيمُ إلى ضفةِ الخلاص.

يقولونَ إنّكِ قبضتِ على صمتي،

وتريدينَ أن تغرسي قلبي في صدركِ

لتعرفي:

هل تصلينَ إلى جحيمي؟

كيف تفتحينَ صندوقَ الغيابِ

دونَ أن تحترقي؟

دعيني،

إنْ لم يتوازنْ حجَرُ إيماني مع صخرِكِ،

فأنا ابنُ المساءاتِ الخريفية،

أعانقُ الثلجَ والضبابَ،

وأشربُ مطرَ الرغباتِ حتى آخرِ الغيم.

ربّما أعودُ إلى بهاءِ الحياة،

وأطفئُ شمسَ الغروبِ بقبلتي،

فالثورةُ لا تموتُ في الصمت،

والبحرُ لا ينجو إلا بالهيجان.

حتى كلماتي،

ينبغي أن تُحلّقَ،

أن تصيرَ صديقةً للسحابِ والمطر.

إن احترقَ الخشبُ في دفءِ قلبكِ،

فليولدِ الشمالُ من رحمِ الجنوب،

ولتُشعلْ خصلاتُكِ الريحَ،

ولتغسلْ أمواجُ عينيكِ شبابي،

ولتأسرني رقتكِ حتى الفناء.

الآن،

مع نغمةِ الزهورِ والهواءِ،

أعبرُ حقولَكِ قُبلةً قُبلةً،

وأستودعُ شفاهي عطركِ،

كي تغفرَ لي الورودُ خطيئةَ الحبّ،

وتصلَ رسالتي الأخيرة

تحتَ شُرفةِ لا مبالاتكِ…

Yousifkhalil290@yahoo.com

صمت شعري بقلم الراقي السيد الخشين

 صمت شعري 


عندما ينتابني 

صمت قصائدي 

وأنا في وحدتي 

تتزاحم مفرداتي 

فوق أوراقي 

وهي تبحث 

عن معنى لحسي  

فتكون قصيدتي بيضاء 

وعنوانها أنا 

فيقرأها من كان مثلي    

ربما تنطق كلماتي 

في يوم بلا موعد 

وترسم بغموضها 

ما أخفيه من شوقي   

فتفك شفرتها من إنسان 

وتغنى بلحن الأشجان 

ويتبعها أنين ناي 

في ظلام ليلي 

ويستمر السهر 

على هذه الألحان 

لأكتب قصائدي  

بلا عنوان


     السيد الخشين 

     القيروان تونس

الخميس، 6 نوفمبر 2025

العاشق بقلم الراقية عبير ال عبدالله

 العاشق

كتمتُ الهوى والقلبُ بالوجدِ خاشِعُ

ونارُ الأسى في مهجتي تتضوَّعُ


أطوفُ الربوعَ وأرتجي فيضَ نورهِ

فذكراهُ في قلبي، وذكراهُ تُتبعُ


إلهي، فمن لولاكَ يُطفئُ وحشتي؟

ومن غيرِ فضلِكَ للهوى يتشفّعُ؟


سكبتَ ودادَكَ في فؤادي رحمةً

فأزهرتِ الأرواحُ، والروحُ تلمعُ


إذا ما بكتْ عيني تجلّى خشوعُها

وفي خلوةِ الليلِ الدعاءاتُ تُرفعُ


وقفتُ ببابِكَ مستجيرًا خاشعًا

فكلُّ دروبِ العاشقينَ تُقطَّعُ


فهب لي رضاكَ، فذاكَ غايةُ مهجتي

ومن دونِ نورِكَ لا حياةٌ تُتّسعُ


تكسّرتِ الآمالُ إلا بذكركمُ

فصوتي إذا ناديتُ باسمِكَ أسمعُ


أرى كلَّ بابٍ أوصدتهُ يدُ الورى

ويبقى لِبابِ الرحمةِ الخيرُ يُشرَعُ


تركتُ الهوى للناسِ حبًّا زائفًا

وعشقي لوجهِ الحقِّ في القلبِ يُزرعُ


فأنتَ الذي أحييتَ قلبي بنورِهِ

ومن دونِ نورِكَ كلُّ قلبٍ يُصرَعُ


إلهي، إذا ضاقتْ عليَّ جوانحي

فباسمِكَ ترتاحُ الصدورُ وتخشعُ


رأيتُك في الآياتِ نورًا ساطعًا

وفي كلِّ معنىً بالهدى يتجمّعُ


دعوتُكَ والآمالُ تبكي ضعيفةً

فمددتَ ليَ الكفَّ التي لا تُمنَعُ


فصرتُ أسيرًا في هواكَ مكرَّمًا

وأنتَ الملاذُ، وفيك الروحُ ترتعُ


إلهي، إليكَ القلبُ دومًا معلّقٌ

وباسمِكَ يرجو العفوَ عبدٌ ويخضعُ


أيا من غمرتَ الخلقَ جودًا ورحمةً

ففي فيضِ إحسانِكَ القلوبُ تُمرَعُ


إذا مسَّني يأسٌ وجاءتْ مذلّةٌ

فأنتَ الذي باللطفِ بابُكَ يُشرَعُ


إليكَ رفعتُ الروحَ في كلِّ لحظةٍ

فشوقي إلى لقياكَ بالدمعِ يُسطعُ


فأنتَ رجائي في الفؤادِ وحُبُّهُ

ومن دونِكَ لا ينجو فقيرٌ ولا يُفزعُ


إلهي، امنحني ثباتًا على الدروبِ

وفي رحمتِكَ أسلكْ كلَّ دربٍ يُشرَعُ


يا مَن بيدِكَ فرجُ كلِّ مكرو

بٍ

وبنورِكَ تنجلي الظلماتُ وتُصفَعُ


بقلمي عبير ال عبد الله 🇮🇶

نقاء بقلم الراقي طارق الحلواني

 نقاء ق.ق

▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎

لم تكن تبحث عني، ولم أكن أبحث عنها، ومع ذلك التقينا.

في ظهيرة شتويةٍ هادئة، كانت المكتبة تضجّ بصمتٍ عميق،

ورائحة الورق القديم تملأ الهواء كأنها ذاكرة الزمن نفسه.

كنتُ أراجع مراجع في القانون المقارن، حين مرَّت أمامي بخطواتٍ خفيفةٍ كنسمةٍ ضائعة،

تتصفّح الفهرس الإلكتروني بعجلةٍ يائسة.

لمحْتُ في عينيها شيئًا من حيرةٍ أنيقةٍ، فتقدّمتُ بخفوتٍ وسألتها:

– هل تبحثين عن كتابٍ بعينه؟

قالت وهي ترتّب نظارتها فوق أنفها:

– نعم، "نظرية العدالة في الفقه المقارن"، طبعة 1979… لا أثر له في الأرفف.

ابتسمتُ بلا قصد، ورفعتُ الكتاب من أمامي:

– ربما لأنّه هنا.

ضحكتْ في خفوتٍ مربك، ثم قالت:

– صدفةٌ جميلة… القانون أحيانًا يُنصف القلب.

أجبتها:

– وربما يُدينُه إذا أحبَّ أكثر مما يجب.

جلسنا في مواجهةٍ صامتةٍ.

هي تكتب ملاحظاتٍ بدقّةٍ، وأنا أزعم القراءة بينما كنت أقرأها.

لم يكن في العالم كتابٌ يستحقُّ الالتفات أكثر من حضورها.

شيءٌ غامضٌ جمعنا؛ لا رغبة، لا وعد، فقط سكينةٌ ناعمةٌ تلفُّنا كستارٍ من نور.

ومن يومها، تغيّر ترتيب الوقت في حياتي.

بدأت لقاءاتنا تتكرّر بلا اتفاق.

مرةً في المكتبة، مرةً في الممرّ، مرةً في المقهى القريب.

كنتُ أنتظرها ولا أعترف لنفسي بذلك، وكانت تأتي كأنها تستجيب لنداءٍ لا يُسمع.

نتبادل حديثًا خفيفًا عن الكتب والقوانين،

ثم عن الحياة التي تلتف حولنا بخيوطٍ لا تُرى.

كنتُ أجد فيها مرآةً لما فقدت: نقاءً، صدقًا، شغفًا هادئًا يعلّم القلب كيف يخفق ببطءٍ وصدقٍ من جديد.

لم يكن بيننا ما يُخجِل.

كنا نسير على حافة الضوء، نخاف الظلال أكثر من أنفسنا.

ومع ذلك، كلّما التقت نظراتنا، شعرتُ أن شيئًا فيّ يشتعل.

كنتُ أذوب في عينيها كما يذوب الحبر في الماء،

وأشعر أن الزمن يتوقف، وأن كل ما عداهما تفصيلٌ لا معنى له.

لم تكن علاقةَ رجلٍ بامرأة، بل روحٍ بروحٍ تعرف طريقها دون دليل.

ذات مساءٍ، ونحن نغادر المكتبة معًا، قالت بنبرةٍ تشبه الرجاء:

– أحيانًا أخاف أن يتحوّل هذا النقاء إلى ذنب. أجبتها بصوتٍ مبحوح:

– الخوف دليلُ صدقِه. لو كان غير طاهرٍ، لما خفناه.

مرت الأيام، وتضاعف الصمت بيننا. كانت كلماتنا تقلّ كلما زاد التعلّق، كأننا نحاول أن نُخرس الحب قبل أن ينطق. وفي صباحٍ رماديّ، التقينا للمرة الأخيرة. لم نخطط لذلك، كما لم نخطط لشيءٍ من قبل.جلستْ قبالتي، وابتسامتها تذوب على شفتيها كثلجٍ يرفض الذوبان. قالت بهدوءٍ يشبه الموت:

– آن أوان الصواب.

لم أجب. كنتُ أعرف أن الصواب قاتلٌ، وأننا سنموت ونحن أحياء.

مددتُ يدي نحوها، ثم سحبتُها قبل أن تلمس يدها. كلانا خاف أن يترك أثرًا على ورق النقاء الأخير.

رحلتْ بخطواتٍ ثابتةٍ،

وظلَّ قلبي في مكانه ككتابٍ مفتوحٍ على صفحةٍ لم تُكتب.

منذ ذلك اليوم، لم أعرف لون السماء،

ولا نغمة قلبي القديمة.

كل ما حولي أصبح باهتًا، إلا ذكرى تلك الصدفة التي صارت قدَرًا. أدركتُ أن الحبَّ الحقيقي لا يكتمل،

بل يظلُّ حيًّا لأنه لم يُمسَّ، ولأننا، حين أحببنا بصدق، عرفنا أن الاحتفاظ بالنقاء أغلى من امتلاك الحبيب.

رحلنا، لكننا بقينا في مكانٍ لا يبلغه الزمان،

كأننا قدّمنا قربان الحب على مذبح الطهارة،

وتركنا قلوبنا تحترق بهدوءٍ… حتى لا يقال إننا خُنّا الصدفة التي منحتنا الحياة.


طارق الحلواني 

 نوفمبر ٢٠٢٥

ضوء على حافة الغسق بقلم الراقي زيان معيلبي

 "ضوء على حافة الغسق" 


في ليلِ وجدِي أُشعلُ الأنفاسا

وأرى طيوفَكِ تُوقظُ الإحساسا


يمضي الحنينُ على شواطئِ مُهجَتي

ويعيدُ منسِيَّ الهوى والناسَا


يا من سكبتِ النورَ في أوردتِي

حتّى غدا صدري لظىً وإحساسا


سبحانَ ربٍّ فيكِ صاغَ عبيرَهُ

وجعلكِ البهْجَةَ والأنفاسا


مرّت ملامحُكِ ارتحالَ سحابةٍ

فيها الرؤى تُزهِي المدى والآسا


كم مرّةٍ سافرتُ نحوكِ خاشعًا

أستنطِقُ الصمتَ المليءَ كآسا


يا زهرةَ الأفقِ الذي لا ينتهي

يا نغمةً تسبي الضحى والكاسا


إن غبتِ، نامَ الحرفُ في أوراقِهِ

وتبعثَرَ الإيقاعُ والإحساسا


~زيان معيلبي (أبو أيوب الزياني) الجزائر

أنت مسائي بقلم الراقية زينة الهمامي

 *** أنتَ مسائي ***


يا من سكبتَ دفءَ كلماتك في فنجاني

أنا وقهوتي في انتظارك

يا من علّمني أنَّ للحب طعماً لا يشبه أيَّ مذاق

يا سُكّر أيامي وعطر أنفاسي

حين يطلُّ علينا المساء

أنا وقهوتي ممزوجةٌ بنبضي

برغبةٍ أنيقةٍ لا تعرف صخب الكلام

بل تنساب همساً على أطراف الشفاه

تعال نرتشفها معاً

على مقعدٍ من حلم وطاولةٍ من سحر

تظللنا غيمةُ شوقٍ ويشهدنا القمر

وأسمع همسك

وأنت تسكب في روحي سكوناً جميلاً

مع نكهة الحروف ودفء المعاني

خذ من قلبي قصيدةً ومن نظراتي وعداً

بأن نبقى هنا، حيث يولد الحب من الحرف

وتورق الأرواح بالشوق

ننسج من جمال الحرف

عالماً لنا لا يعترف بالمسافات

ولا بأفول القمر ولا برحيل الأماني

أنا وأنت وجمال المساء

وعبق الحب ورائحة القهوة


بقلمي: زينة الهمامي تونس

عيناك يا وطني الحبيب بقلم الراقي ابن سعيد محمد

 عيناك يا وطني الحبيب !"


بقلم الأستاذ الأديب : ابن سعيد محمد 


عيناك ،يا وطني الحبيب ، هناءتي 

و سعادتي و مسرتي وغنائي    


عيناك موج من جمال دافق   

و مناقب طالت نجوم سمائي  


عيناك بعث للمواسم والجنى  

و غد جميل مفعم بنماء   


عطرت يا وطني الحبيب رحابنا  

بالمجد يزهو في ذرى العلياء   


مهما تكاثرت الرياح و أعولت 

و سعى اللئام لوأد روح إبائي   


نحن الجبال الشم ترنو للعلا   

و تتوق شوقا لانبثاق ضيائي  


لا حالك الليل العبوس بقاصمي

لا الخوف ينهي وثبتي ورجائي  


هذي سمائي بالسحائب أرعدت   

و بريقها يردي الدجى وعنائي  


من تحت هذا الثلج تبرز رايتي  

و الزهر يكسو ربوتي وفنائي  


تلك الجداول لن يعيق مسارها   

الصخر يجثو بالردى و دهاء  


ماذا جنى كيد اللئام و مكرهم 

و حشودهم من أجل نسف بنائي ؟ 


ماذا جنوا و الله أردى مكرهم  

و الكون يلعن خسة اللؤماء  


نحن انتشقنا طيب كل فضيلة   

و نهجنا نهجا نيرا بإباء   


و سكنت يا وطني الحبيب شغافنا 

و الكون غنى يقظة الشرفاء  


و سرى بقلب وجودنا عزف سما   

يرسي المحبة و المنى بإخاء   


دم سالما و معززا و مكرما   

ببنيك هبوا بالظبا و دماء  


دم كالضياء ينير رحبا مو لعا 

بمكارم و مناقب و سناء  


دم كالنسيم يضم روضا باهرا 

و يدير ظهرا للقذى و عواء   


عش كالنسور محلقا و مز مجرا  

تبت أيادي اللؤم و اللؤماء 


نحن افتدينا بالنجيع رحابنا   

و بكل صول صادق الأنباء   


في عزة الوطن الحبيب حياتنا  

  و هناؤه رنم الدنا وفضائي 


لوطن العربي : الأربعاء : 07 / جمادى الأولى / ه / / // 205م9 / تشرين الأول / أكتوبر

تأكل أصابع الرجلين بقلم الراقي عبد العزيز عميمر

 تأكل أصابع الرجلين :

_هو يرتعد كورقة تحت مهبّ الريح ،يجذب الغطاء ويغطّي رأسه ،يكاد يختنق،العرق يتصبّب،بدأت القطرات الأولى من جبهته،ضاق فيه التنفّس الغطاء السميك يمنع الهواء من التحرّر .


في الظلام كلّهم نائمون يشخرون،إلاّ هو قلق،حائر خائف ،لا شكّ تأكله ،وتحب اللحم الطريّ للأطفال الصغار، خاصّة منهم المشاغبون ،وتبدأ بأصابعه ،هذا 

ما قالته الجدّة في سهرة ليلة العام الجديد 

كانوا مجتمعين ،كلّ أفراد العائلة ،وهم يتناولون في المكسّرات، بعد تناول وليمة دسمة بلحم الدجاج ،وينال منها فخذا كاملا التهمه، له مدة عام لم يذق اللحم،والآن لا يفرّط في غنيمته .


تحلّقوا حول الكانون ،ناره موقدة ولهيبها ،يعلو للسماء

لأن الحطب يابس والهواء متوفّر، تتراقص النار ، 

أشباحها على الجدران مثل الدمى الصينيّة .


عادت إليه مخاوفه الغولة ستأكله ،إنها جائعة ،ربّما

ستدخل من النافذة التي لا تغلق وليس لها باب ،تطلّ

عليه الغولة وتخرج لسانها ،أحمر طويل قدر قامته ،أسنانها منشار متفاوتة الطول والعرض،تنظر 

إليه وتراه رغم أنه تحت الغطاء ،يعزم على طلب النجدة ،أم..أم..أم.لايخرج صوته ضربه حمار الليل ،يبكي في صمت ،يسمع خرخشة إنها القطة ،صيّادة ماهرة تمسك الفأر أينما وجد .

سقف البيت مغطّى من الداخل بأغصان الأشجار وأوراقها،عشعشت فيه الفئران ،هي بالعشرات تروح وتجئ ،الفتها العائلة ،ونادرا ما يوضع فخّ لاصطيادها

هي حرّة طليقة،لكن ماذا تجد في بيت الفقر غير

حبوب القمح والشعير.


نعود لطفلنا الصغير ،كيف تمرّ هذه الليلة،عادت الغولة

تتوعّده وتهدّده وتفتح فاها وهو يحاول الصياح بقوّة

وفي هذه المرّة ينجح ويدوّي صوته،ويملأ الغرفة رنينا

وتجري الأمّ،وتحتصنه ،باسم الله الرحمان الرحيم

مالك ياولدي ! لا تخف أنا معك .

الغولة التي حكت عنها جدّتي،إنها هناك تبغي افتراسي

نعم هنا! انظري ألا ترأينها ! هي،هي غطّيني...

ورغم ألم وقلق الأمّ ابتسمت ،لأن ولدها أشار للقربة

المعلّقة،قربة الماء لكونها سوداء ولها شعر وأضاف لها الطفل من تخيلاته اللسان والأسنان .


رغم طمأنته واحتضانه بقي خائفا مرتعبا متمسّكا بثوب أمّه،وكأنه مغناطيس شدّ لقطعة حديد .

بدأ ينظر لأصابعه واحدا بعد الآخر يتلمّسها ويتأكد من سلامتها،يحسب ،أصبع واحد،إثنان..مليح ! يبتسم خمسة، ويقبض عليها بيده ،يخاف من هروبها أو اقتلاعها ،ومن يضمن له ذلك ! لا أحد ! عليه أن يكون حذرا ويطلب من أبيه شراء جوارب له خشنة وصوفيّة عندما يتسوّق، هو لا يملك الجوارب ولم يستعملها ،لا هو ،ولا أفراد عائلته ،لكنه رآها عند زوج عمّته الغني الذي يعمل في العاصمة ،أمّا هو فلم تخلق رجلاه للجوارب،خلقت لأسنان الغولة والغبن والقهر، يرى بعينيه ويمنّي النفس ،مثله دودة، محتقرة من الجميع 

حظوظ وحظوظ ،وأطفال في الرفاهية،وآخرون ممزوجون بالتربة ،وبأقدام حافية ،مشقّقة من الشوك والبرد ،وحتى يبقى الرأس نازلا للاستعباد

يخوّفونهم بالغولة والظلام ،والجنيّة،لا يسمعون 

بساندريلة حينما تحوّلت إلى أجمل الجميلات ،يبحث

عنها الأمير ليتزوّجها .

ايه حكايات ..ومع ذلك هناك الكثيرون كبروا وكونوا أنفسهم ونجحوا،وأخذوا الدنيا بيد مسلوخة تقطر دما،ولم يركعوا لأحد تفوّقوا على أبناء حليب البودرة،وقطع الشوكولاطة

يبتسم ويعود لنفسه ويسدل ستار الذكريات ،لكنّه لم يعرف لماذا حشر هذه الفكرة الأخيرة ،وما علاقتها

بخوف الطفل من الغولة!!..



الكاتب الجزائري عبدالعزيز عميمر

حبك نار بقلم الراقية سلمى الأسعد

 مشاركتي في من يجيز

العنوان: حبك نار 


في القلب حبٌّ لا أبوح بسرِّهِ


قد نال مني بتُّ في حبي شقي


 خبأته دهرا ً ولكنْ نارُهُ  


جعلت فؤادي كالجحيم المحرقِ


فبكل أحشائي استعرّ أوارُه


وبكل جرح صابني لم يشفق


   المٌ يقضّ مضاجعي ويهدّني

   يامن يناشد قلبه كي يتقي


 بمحبةٍ وعواطف تسمو بهِ


إني سأرقب شمسه في المشرقِ


ها إنني أرجو وآمل ضارعا.


أن يستجيب لحبنا كي نلتقي


وإلام يبعد عن عيوني ظالماً


 أيريد ان يجد المشيب بمفرقي


سلمى الاسعد

ظل النفس المحروقة بقلم الراقي طاهر عرابي

 "ظلّ النفس المحروقة"


قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي

دريسدن – كُتبت في 21.02.2025 | نُقِّحت في 05.11.2025


في زمنٍ تتداخلُ فيه الظلالُ مع الأرواح،

وتغدو الحياةُ مجرّدَ انعكاسٍ باهِتٍ لأسئلةٍ بلا أجوبة،

تأتي هذه القصيدةُ لتسبرَ أغوارَ النفسِ المحروقةِ بنارِ الوعي،

المرتبكةِ تحتَ وطأةِ المعنى.

ليست دعوةً إلى الانتحار، ولا إلى النجاة،

بل تأمّلٌ في هشاشةِ الإنسان وسطَ كونٍ لا يُعنى بخوفه،

ومساءلةٌ صريحةٌ عن جدوى الصبرِ والخوفِ والحبِّ

في عالمٍ ينهارُ برتابةٍ تثيرُ القلق.



ظلّ النفس المحروقة


1


لماذا تخافونَ الموتَ في عالمٍ ميت؟

من يرى في الخوفِ نجاتَه، مات سقيمًا متقطّعَ الأنفاس.

لا خوفَ يعلو على الموتِ، مزهوًّا بذكائه.


اخرجوا من الكهوفِ المصنَّعةِ برغوةِ الهرب،

لتطمئنَّ النفسُ أنَّ للهروبِ مخرجًا،

لكنّه مخرجٌ يبتعدُ عن الرؤيا عمرًا كاملًا.

من خافَ مات، ومن ماتَ بشجاعةٍ عاش.


تصالحوا مع إنسانيّتِكم، تنزَّهوا، تأقلموا،

فالنعشُ واحدٌ — لا قفلَ له ولا باب.


عوراءُ تلكَ العينُ التي لا ترى الجمال،

وتذيعُ البغضاءَ على المسامع.

نرى البؤساءَ يعتلونَ شرفةَ اللاعودة،

ونسكت، نلومهم لأنّهم استعجلوا الشقاء،

وكأنَّ شقاءَهم صورةُ الموعظةِ

في كتابٍ منسيّ.


إخوتي، وجدتُ المغفرةَ عقابَ النفس،

وضياعَ الإرادةِ في النقاء.

لا تكرهوني،

لقد وصلنا إلى نقطةِ اللاعودة،

لا وتدَ لنا نمسكُ به،

ولا صخرةَ نستندُ إليها،

ولا مَن يقفُ أسفلَ المنحدر

ليمسكَ بنا قبلَ السقوط.

هوجاءُ تلكَ الفكرةُ: أنَّنا نمسكُ بشيء.


لقد مرّتِ الفصولُ متتابعةً،

ولم نرَ في المطر

سوى إنذارٍ من البرد،

وعويلِ الذئابِ على مقربةٍ من الفريسة.

نحن مُعفَون من العويل،

حتى ولو مزّقنا سكونَ الليل.


2


كلُّ شيءٍ يكتملُ في الغوغاء،

ويصيرُ العبثُ غبيًّا،

يتسلّقُ أسلاكَ الكهرباءِ ويبني قصرًا مضيئًا

من أسطورةِ الخشبِ المقاومِ للصدأ.


فلا خوفَ من الضجر،

ولا خوفَ من انقطاعِ الألم،

حتى الأملُ — فيه شهوةٌ

للأنينِ الجميل، وتحتَ ثقلِ النفس.


ومن يزرعُ الرزَّ على سفوحِ الهيمالايا

لا ينتحرُ من ضيقِ الهواء.

ومن ينظّفُ جلودَ البقرِ لصنعِ الأزياء

لا يمقتُ عيشَتَه من الروائحِ القديمة.


الشقاءُ لقاءُ الحياة،

والحياةُ بلا شقاءٍ مستحيلة.

ثنائيةُ البقاء: حبٌّ وشقاء، تجاوزٌ وتكاثر،

والتربيةُ اختيارُ البقاء،

وما بينهما — نحنُ في صورةِ العطاء.


لماذا؟

لم نعد نشاركُ في هذا الكوكبِ سوى بالوجود،

وهو يمضي برتابةِ أفراحه بعيدًا عنّا،

كأنَّ لنا حزنًا لا يطيقُه الكوكب.


ونحنُ نمضي في ترتيبِ بهجتِنا على صدرِه،

ولو سُرِقتْ منّا، فلا يهمّ،

فالغفرانُ آيةٌ كونيّة،

حتى لو نسينا الذنبَ قبل أن نعرفَه،

ونتوبُ، وللتوبةِ إرادةٌ نشتهيها،

مثلما نشتهي عنقودَ عنبٍ في سلةِ العاشقين.


فجأةً هبَّ إعصارٌ يُنبئُ بانتهاءِ صبرِ الطبيعة،

وهطلَ المطر كأنّه جرفٌ من قاعِ البحر.

نلوذُ بالصمت،

ونعلّلُ الفشلَ بأنَّ الأرضَ قد هرِمت،

وصارَ الموتُ طبيعيًّا جدًّا، وخسرَ الجميع.


فلا تزاحمَ حولَ الأخلاق،

ولا تعدادَ للسيّئات — كلُّ السيئاتِ بذيئة.

الآن، بعد نكرانٍ طويل، كلُّ شيءٍ يُرتّبُ صيغتَه

بصيغٍ لا تُصحَّح،

والمغفرةُ عقدٌ ثمين،

لا ندري إن كان يليقُ برقابنا الصاغرة.


3


لا تكرهني قبل أن أُكمِلَ لكَ تقاسيمَ البقاء،

وأُعدِّدَ لكَ صفاتٍ تجهلُها.

إن أمسكتَ رأسكَ في دلوٍ من طينٍ موحلٍ،

ترى انعكاسَكَ واضحًا، ولو في العتمة.


لا بدَّ من التصالح، فالوحلُ يتحوّلُ إلى غبار،

وأنا وأنتَ صِفةٌ تسبقُ الوصفَ،

إنسانٌ منذ أوّلِ قطرةِ حليب،

ولم يكنْ لدينا أظافرُ،

وكان الشعرُ ذوائبَ.

عُدْ طفلًا، لأعلّمكَ ما نسيت.


في الأرضِ جمالٌ يشبهُ القمر،

فخُذْ نصيبَكَ من بقائكَ.

الهمومُ لا ترحل،

لكنّنا نرحلُ إلى تفاصيلِها،

ونمضي — منتصرين بأنّنا عرفناها.


وإن رأيتَني مصباحًا مضيئًا،

فلا تُغمِضْ عينيكَ،

كي لا تبحثَ عن نفسكَ في الظلام.


لنهدأْ من اضطرابِ الجنون،

ونتمرّدْ على الظلامِ كما يحلو لنا.

ابقَ بعيدًا عن حياةِ الخفافيش،

فحتى هم في غايةِ السعادة،

ولا تُذكّرْهم بانعدامِ الضوء…

هم وحدَهم أكثرُ درايةً بالعتمة.


سندركُ يومًا أنَّ جمالَ الأرضِ في الحاضر،

ولن نطولَ قاعَ البحرِ لجمعِ الورود،

فابقَ — في مساحةِ انتصارِك،

وازرعْ شتاتَك ليصيرَ الكونُ بستانَك.


4


هناكَ أملٌ يأتي لا محالة،

والصبرُ عطرُ الحياة، فلا تُغفِلْ عن اليقين.

أشلاءُ التفكيرِ ذكرياتٌ مرّت على سِكّةٍ

لن تتبعَها، ولو على انزلاقِ غضبِك.


لا تَمُتْ في أوّلِ الفصول،

ولا تَعِشْ فصلًا بلا شوقٍ للحياة.

في كلِّ نظرةٍ نداءٌ إلى الخطوةِ الأقوى،

طفلٌ يركبُ أرجوحةً — اتبِعْهُ إلى الفضاء،

وامرأةٌ تُمشّطُ شعرَها — قُلْ لها:

سيبدأُ العالمُ بالحبِّ تحتَ خُصلةٍ من شعرِها.


كلُّ شيءٍ يسيرُ نحو النهاية،

نُولَدُ، وغيرُنا يرحل،

ولا أحدَ منّا متشبِّثٌ بقطبِ الأرض،

كي لا تدورَ، ولا يتوقّفَ لحنُ الزمن.


ليسَ من الوفاءِ أن يُقرّرَ أحدُهم اتجاهَك،

ولا من الكرمِ أن يُمنَحَ لكَ الوقتُ لتمريرِ أنفاسِك.

الحرُّ صباحٌ، والحرُّ مساءٌ، والحرُّ ليلٌ

يُمجِّدُ السكينةَ.


أنتَ لستَ أقوى من لحظةٍ تمرّ،

لكنَّكَ أسعدُ ممّن مرَّ بها ولم يشعر.


كانوا من قبلِنا يبحثون عن اكتمالِ البهجةِ فينا،

وجئنا على ترانيمِ الوداع،

فقبلناها، ومضينا نحاولُ ربحَ الحياة.

فمَن يعتبُ علينا لكونِنا ورثةَ اليقين؟

هو ذاكَ الذي يرى في الوعيِ عدوَّه،

وفي ظلالِ النفسِ نارٌ تلتهمُ البقاء،

فأرجوكَ — لا تُكلِّمْنا عن الشقاء،

لقد خرجنا على اليمينِ فزرعنا الصفاء،

وعلى الشمالِ مددنا الوفاء،

وفوقنا تزهرُ السماء،

وعلى الأرضِ أجنحةُ السَّناء،

رتِّبوا الحروفَ وجمِّلوا المساء.


طاهر عرابي – دريسدن