«مرافئ المنفى»،
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – كُتبت في 07.05.2020 | نُقِّحت في 07.11.2025
أنا لا أكتب عن المنفى… أنا أعيشه.
لا كجغرافيا غريبة، بل كهواءٍ يدخل رئتيّ ويخرج منها غريبًا.
هذه القصيدة ليست حنينًا ولا شكوى، بل مرآة صدئة علّقتها في قلبي، أراقب بها وجهي حين نسي ملامحه.
إنها محاولة لأمسك بطرف الضوء، لا لتذكر حكايات العودة، بل لأتذكّر أني ما زلت هنا… قفص خارج العصفور.
غريبٌ، نعم. لكني حيٌّ في غربتي.
أنتظر أن يلفّ الزمن ويدور، ويقلبني إلى أحلامٍ من حقيقة.
كيف نعود إلى الوعد… دون أن نُطفئ في أعيننا آخر وهجٍ من الأمل؟
⸻
مرافئ المنفى
1
منذ صباح كلِّ يومٍ، وأنا مغترب،
وفي نهاية كلِّ عامٍ، أتذكَّر أني مغترب.
حتى خلفَ منعطفِ الطريق،
وفي بصماتِ الأصابع،
أرى أني مغترب.
لا شيء يشبه خطوات الغريب،
تتمدّد الأرصفةُ تائهةً،
وتمتدّ الذاكرةُ على منعطفٍ موحشٍ بجماله،
نتوقف مشدوهين: هل لنا هذا؟
ونحن غرباء.
أمشي على جمرِ الشتائمِ وقلقِ الضمير،
وأعبرُ طُرُقاتٍ لا تحمل أسماءنا،
لا تشبه دكاكينا، ولا أشجارَها تذكّر بأيِّ موسم،
ولا حتى أسماءَ أبطالٍ نحبّهم،
وهم في ذاكرتِنا وفي غربتِنا أشقياءُ بلا مأوى،
غرباءٌ، وأشدُّ غربتهم من يومِ قداستهم.
قلتُ لأصدقائي أصحاب وطنهم،
وبلغتهم، وبمشاعري، وبشاعريةِ عربِ المنفى:
علّلهم يفهمون المقاصد،
شاعرٌ في قفصٍ موصَد،
ويظنّون أنّ الحريةَ تلغي الماضي.
أصدقائي، هذه قصيدتي عن امرأةٍ من غزّة،
كتبتُها تضامنًا، علِّي أرى ثوبَها يناديني:
“يا أختَ الترابِ المشتعل،
يا أختَ الشوكِ النابتِ في الخاصرة،
ليس بوسعي إلا أن أكتب،
لا لأنَّ الكتابةَ تُنقِذ،
بل لأنّها ترفض أن تُدجَّن،
أن تُكمَّم،
أن تتعطّل أمام الهيكلِ القادمِ بخُطى ناريّة.
أنا مثلكِ،
أقفُ على قارعةِ الطريق،
أجمعُ أطرافَ لغتي،
لا لأرحل،
بل كي أظلَّ شاهدًا على ما يُدفَنُ دون شاهد.”
لفّوا الرقابَ وقالوا: من تكون أختُك؟
قلبوا وجهي، لفتهم الحيرة،
ضربوا الكفَّ بالكفِّ وبكوا عليّ،
وهمسوا: هل يهذي الغريب؟
كيف يُخاطب أختًا لا أختَ له؟
2
أنامُ تحتَ لحافٍ طيِّبِ القلب، من قطنٍ زرع في بلادٍ تشكو البرد،
وعزمَ من تلقاءِ نفسه أن يمنحني الدفءَ،
حتى لو كان مجهولَ الجنسية،
وصانِعُه لطيف،
فأشكرُه دون أن أنام…
لأنّي مغترب، والدفءُ عنوانٌ يؤخّرُ الأحلام.
لم أُولدْ عاريًا،
ولا مكشوفًا بساقينِ من الصقيع،
ولا كنتُ أعمى في فنِّ الاختيار،
أمّي كانت ترتّب الوسادة.
لكنّني لا أرى الآن في التشرّدِ إلا التشرّدَ:
واقعٌ مبتذل، يغرس الغضب في ابتسامة،
ولغتي العربيّةُ معفاةٌ من جحيمِ الفهم،
سجّلتُها في مستودعِ الأحلام،
وأخرجتُ منها ما يكفي لأزورَ المخيّم.
وأنا متأكّد،
حتى لو أمسكتُ بكلِّ أنواعِ الحمام،
ولوَّحتُ بزهراتِ التفّاحِ وعناقيدِ العنب،
يبقى السلامُ غايةَ المغترب،
سلامٌ آخر،
غير ذاكَ المسترخي على أرصفةِ الطرقات،
وفي وجوهِ العابرين إلى شموعِ البيوت.
لستُ من أحدٍ… سوى منّي.
3
أصبحتُ أستحي من القول:
إنّي متعب،
لا فائدةَ من الشكوى في قفص،
الغربةُ قفصٌ يمسك الروح ويترك الأقدام
تتأرجح بين الذهاب والعودة.
وكرةُ المحتلّينَ طليقةٌ تدور،
وتُحدِثُ في روحي صخبًا،
وأنا لا أريد أن أرى الكرة
تحطُّ مرّةً أخرى
على وطنٍ يشغله الغضب،
وكأنَّ الزمنَ مثقوبٌ،
وهم يديرونَ العقاربَ نحوَ الخراب.
الكلُّ يفكّر في مساءِ البارحة، كيفَ يهرب،
ومن يربحُنا إلى صوتِه،
يريدُ فقط خسارةَ الآخرين.
نحنُ الآخرونَ منذُ سنين،
ولا شيء سوى الأرض.
لن أطرقَ الأبواب،
لقد ضاعَ زمنُ السماع،
وصارَ السامعُ أطرشَ،
مهووسًا بالكذب، ركب على عينيه قناع،
لا يرى منه سوى نفسه.
اعذروني،
واليدانِ متشقّقتان،
كجوزٍ مرٍّ، ومحروقتانِ من لهيبِ الانتظار،
والوجهُ أحدب…
هل تتحوّلُ الغربةُ إلى كفن؟
نُحمّلُه ببلاهةٍ، مثلَ أزرارِ القميص.
يا ويلَنا من مساءلة الأ
4
ربما يُحرَقُ المرءُ في الهند،
ليتبرأ من خيانةِ الجسد،
أو يتجمّدُ في القطب،
وتلتهمُه الدببة،
أو تأكله الفهودُ في إفريقيا،
أو يُدفنُ خوفًا من العفن،
إن تُرك للزمن، حين يحين وقته،
والغريب يحمل عبء وجوده وينتظر المراسي
في طرف الجداول.
في أرضِ اللهِ الواسعة،
تتشابكُ الأضلاعُ في سلّةِ المِحن،
وأنا غريبٌ مغترب،
لا أتوجَّهُ إلى أيِّ شيء،
لأنّي أخشى أن يكرهني العتب،
وهو وحدَه قد بقي يرافقني،
ليكون حكمًا بيني وبين السبب.
معتوهٌ، أتسلى بنفاياتِ الضجر،
فضحكتُ في رأسِ السنةِ الميلادية،
وضحكتُ في رأسِ السنةِ الهجرية،
وضحكتُ في رأس سنةِ ميلادي،
وحزنتُ في رأسِ الذكريات كل يوم،
وقلتُ في نفسِ الثانيةِ التي وُلِدتُ فيها،
التي كانت الحدَّ الفاصلَ بيني وبين القادم:
استمرِّي يا نفس… لنبقَ،
لقد وُلدَ الحجرُ صائمًا،
وبات أولَ ليلةٍ يحاكي زهرَ القيم.
لم أشتكِ مرارةَ أني لا أشتكي،
ولكنّي أقولُ للراحلين عن أنفسهم:
مهلًا!
فالبقاءُ يُزيِّنُهُ الوِداد،
إن لم تكتفِ اليدُ بالمصافحة،
فالعيونُ تنادي لتحيي الرماد.
توقَّفوا عن هجرِ السماحة،
وعن الولوجِ في ظلامِ القطيعة،
فما نبتَ الشج
رُ من ماءٍ
لو لم تكنِ الأرضُ تحضنُ معادنَها الطيبة،
وتمنحهُ الدفءَ الحميد.
عابرون؟ أم راحلون؟ أم باقون؟
الغرباءُ لهم كأسٌ واحدة،
فيها ينبتُ حصنُ الوجود.
طاهر عرابي – دريسدن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .