الخميس، 6 نوفمبر 2025

نقاء بقلم الراقي طارق الحلواني

 نقاء ق.ق

▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎

لم تكن تبحث عني، ولم أكن أبحث عنها، ومع ذلك التقينا.

في ظهيرة شتويةٍ هادئة، كانت المكتبة تضجّ بصمتٍ عميق،

ورائحة الورق القديم تملأ الهواء كأنها ذاكرة الزمن نفسه.

كنتُ أراجع مراجع في القانون المقارن، حين مرَّت أمامي بخطواتٍ خفيفةٍ كنسمةٍ ضائعة،

تتصفّح الفهرس الإلكتروني بعجلةٍ يائسة.

لمحْتُ في عينيها شيئًا من حيرةٍ أنيقةٍ، فتقدّمتُ بخفوتٍ وسألتها:

– هل تبحثين عن كتابٍ بعينه؟

قالت وهي ترتّب نظارتها فوق أنفها:

– نعم، "نظرية العدالة في الفقه المقارن"، طبعة 1979… لا أثر له في الأرفف.

ابتسمتُ بلا قصد، ورفعتُ الكتاب من أمامي:

– ربما لأنّه هنا.

ضحكتْ في خفوتٍ مربك، ثم قالت:

– صدفةٌ جميلة… القانون أحيانًا يُنصف القلب.

أجبتها:

– وربما يُدينُه إذا أحبَّ أكثر مما يجب.

جلسنا في مواجهةٍ صامتةٍ.

هي تكتب ملاحظاتٍ بدقّةٍ، وأنا أزعم القراءة بينما كنت أقرأها.

لم يكن في العالم كتابٌ يستحقُّ الالتفات أكثر من حضورها.

شيءٌ غامضٌ جمعنا؛ لا رغبة، لا وعد، فقط سكينةٌ ناعمةٌ تلفُّنا كستارٍ من نور.

ومن يومها، تغيّر ترتيب الوقت في حياتي.

بدأت لقاءاتنا تتكرّر بلا اتفاق.

مرةً في المكتبة، مرةً في الممرّ، مرةً في المقهى القريب.

كنتُ أنتظرها ولا أعترف لنفسي بذلك، وكانت تأتي كأنها تستجيب لنداءٍ لا يُسمع.

نتبادل حديثًا خفيفًا عن الكتب والقوانين،

ثم عن الحياة التي تلتف حولنا بخيوطٍ لا تُرى.

كنتُ أجد فيها مرآةً لما فقدت: نقاءً، صدقًا، شغفًا هادئًا يعلّم القلب كيف يخفق ببطءٍ وصدقٍ من جديد.

لم يكن بيننا ما يُخجِل.

كنا نسير على حافة الضوء، نخاف الظلال أكثر من أنفسنا.

ومع ذلك، كلّما التقت نظراتنا، شعرتُ أن شيئًا فيّ يشتعل.

كنتُ أذوب في عينيها كما يذوب الحبر في الماء،

وأشعر أن الزمن يتوقف، وأن كل ما عداهما تفصيلٌ لا معنى له.

لم تكن علاقةَ رجلٍ بامرأة، بل روحٍ بروحٍ تعرف طريقها دون دليل.

ذات مساءٍ، ونحن نغادر المكتبة معًا، قالت بنبرةٍ تشبه الرجاء:

– أحيانًا أخاف أن يتحوّل هذا النقاء إلى ذنب. أجبتها بصوتٍ مبحوح:

– الخوف دليلُ صدقِه. لو كان غير طاهرٍ، لما خفناه.

مرت الأيام، وتضاعف الصمت بيننا. كانت كلماتنا تقلّ كلما زاد التعلّق، كأننا نحاول أن نُخرس الحب قبل أن ينطق. وفي صباحٍ رماديّ، التقينا للمرة الأخيرة. لم نخطط لذلك، كما لم نخطط لشيءٍ من قبل.جلستْ قبالتي، وابتسامتها تذوب على شفتيها كثلجٍ يرفض الذوبان. قالت بهدوءٍ يشبه الموت:

– آن أوان الصواب.

لم أجب. كنتُ أعرف أن الصواب قاتلٌ، وأننا سنموت ونحن أحياء.

مددتُ يدي نحوها، ثم سحبتُها قبل أن تلمس يدها. كلانا خاف أن يترك أثرًا على ورق النقاء الأخير.

رحلتْ بخطواتٍ ثابتةٍ،

وظلَّ قلبي في مكانه ككتابٍ مفتوحٍ على صفحةٍ لم تُكتب.

منذ ذلك اليوم، لم أعرف لون السماء،

ولا نغمة قلبي القديمة.

كل ما حولي أصبح باهتًا، إلا ذكرى تلك الصدفة التي صارت قدَرًا. أدركتُ أن الحبَّ الحقيقي لا يكتمل،

بل يظلُّ حيًّا لأنه لم يُمسَّ، ولأننا، حين أحببنا بصدق، عرفنا أن الاحتفاظ بالنقاء أغلى من امتلاك الحبيب.

رحلنا، لكننا بقينا في مكانٍ لا يبلغه الزمان،

كأننا قدّمنا قربان الحب على مذبح الطهارة،

وتركنا قلوبنا تحترق بهدوءٍ… حتى لا يقال إننا خُنّا الصدفة التي منحتنا الحياة.


طارق الحلواني 

 نوفمبر ٢٠٢٥

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .