"ظلّ النفس المحروقة"
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – كُتبت في 21.02.2025 | نُقِّحت في 05.11.2025
في زمنٍ تتداخلُ فيه الظلالُ مع الأرواح،
وتغدو الحياةُ مجرّدَ انعكاسٍ باهِتٍ لأسئلةٍ بلا أجوبة،
تأتي هذه القصيدةُ لتسبرَ أغوارَ النفسِ المحروقةِ بنارِ الوعي،
المرتبكةِ تحتَ وطأةِ المعنى.
ليست دعوةً إلى الانتحار، ولا إلى النجاة،
بل تأمّلٌ في هشاشةِ الإنسان وسطَ كونٍ لا يُعنى بخوفه،
ومساءلةٌ صريحةٌ عن جدوى الصبرِ والخوفِ والحبِّ
في عالمٍ ينهارُ برتابةٍ تثيرُ القلق.
⸻
ظلّ النفس المحروقة
1
لماذا تخافونَ الموتَ في عالمٍ ميت؟
من يرى في الخوفِ نجاتَه، مات سقيمًا متقطّعَ الأنفاس.
لا خوفَ يعلو على الموتِ، مزهوًّا بذكائه.
اخرجوا من الكهوفِ المصنَّعةِ برغوةِ الهرب،
لتطمئنَّ النفسُ أنَّ للهروبِ مخرجًا،
لكنّه مخرجٌ يبتعدُ عن الرؤيا عمرًا كاملًا.
من خافَ مات، ومن ماتَ بشجاعةٍ عاش.
تصالحوا مع إنسانيّتِكم، تنزَّهوا، تأقلموا،
فالنعشُ واحدٌ — لا قفلَ له ولا باب.
عوراءُ تلكَ العينُ التي لا ترى الجمال،
وتذيعُ البغضاءَ على المسامع.
نرى البؤساءَ يعتلونَ شرفةَ اللاعودة،
ونسكت، نلومهم لأنّهم استعجلوا الشقاء،
وكأنَّ شقاءَهم صورةُ الموعظةِ
في كتابٍ منسيّ.
إخوتي، وجدتُ المغفرةَ عقابَ النفس،
وضياعَ الإرادةِ في النقاء.
لا تكرهوني،
لقد وصلنا إلى نقطةِ اللاعودة،
لا وتدَ لنا نمسكُ به،
ولا صخرةَ نستندُ إليها،
ولا مَن يقفُ أسفلَ المنحدر
ليمسكَ بنا قبلَ السقوط.
هوجاءُ تلكَ الفكرةُ: أنَّنا نمسكُ بشيء.
لقد مرّتِ الفصولُ متتابعةً،
ولم نرَ في المطر
سوى إنذارٍ من البرد،
وعويلِ الذئابِ على مقربةٍ من الفريسة.
نحن مُعفَون من العويل،
حتى ولو مزّقنا سكونَ الليل.
2
كلُّ شيءٍ يكتملُ في الغوغاء،
ويصيرُ العبثُ غبيًّا،
يتسلّقُ أسلاكَ الكهرباءِ ويبني قصرًا مضيئًا
من أسطورةِ الخشبِ المقاومِ للصدأ.
فلا خوفَ من الضجر،
ولا خوفَ من انقطاعِ الألم،
حتى الأملُ — فيه شهوةٌ
للأنينِ الجميل، وتحتَ ثقلِ النفس.
ومن يزرعُ الرزَّ على سفوحِ الهيمالايا
لا ينتحرُ من ضيقِ الهواء.
ومن ينظّفُ جلودَ البقرِ لصنعِ الأزياء
لا يمقتُ عيشَتَه من الروائحِ القديمة.
الشقاءُ لقاءُ الحياة،
والحياةُ بلا شقاءٍ مستحيلة.
ثنائيةُ البقاء: حبٌّ وشقاء، تجاوزٌ وتكاثر،
والتربيةُ اختيارُ البقاء،
وما بينهما — نحنُ في صورةِ العطاء.
لماذا؟
لم نعد نشاركُ في هذا الكوكبِ سوى بالوجود،
وهو يمضي برتابةِ أفراحه بعيدًا عنّا،
كأنَّ لنا حزنًا لا يطيقُه الكوكب.
ونحنُ نمضي في ترتيبِ بهجتِنا على صدرِه،
ولو سُرِقتْ منّا، فلا يهمّ،
فالغفرانُ آيةٌ كونيّة،
حتى لو نسينا الذنبَ قبل أن نعرفَه،
ونتوبُ، وللتوبةِ إرادةٌ نشتهيها،
مثلما نشتهي عنقودَ عنبٍ في سلةِ العاشقين.
فجأةً هبَّ إعصارٌ يُنبئُ بانتهاءِ صبرِ الطبيعة،
وهطلَ المطر كأنّه جرفٌ من قاعِ البحر.
نلوذُ بالصمت،
ونعلّلُ الفشلَ بأنَّ الأرضَ قد هرِمت،
وصارَ الموتُ طبيعيًّا جدًّا، وخسرَ الجميع.
فلا تزاحمَ حولَ الأخلاق،
ولا تعدادَ للسيّئات — كلُّ السيئاتِ بذيئة.
الآن، بعد نكرانٍ طويل، كلُّ شيءٍ يُرتّبُ صيغتَه
بصيغٍ لا تُصحَّح،
والمغفرةُ عقدٌ ثمين،
لا ندري إن كان يليقُ برقابنا الصاغرة.
3
لا تكرهني قبل أن أُكمِلَ لكَ تقاسيمَ البقاء،
وأُعدِّدَ لكَ صفاتٍ تجهلُها.
إن أمسكتَ رأسكَ في دلوٍ من طينٍ موحلٍ،
ترى انعكاسَكَ واضحًا، ولو في العتمة.
لا بدَّ من التصالح، فالوحلُ يتحوّلُ إلى غبار،
وأنا وأنتَ صِفةٌ تسبقُ الوصفَ،
إنسانٌ منذ أوّلِ قطرةِ حليب،
ولم يكنْ لدينا أظافرُ،
وكان الشعرُ ذوائبَ.
عُدْ طفلًا، لأعلّمكَ ما نسيت.
في الأرضِ جمالٌ يشبهُ القمر،
فخُذْ نصيبَكَ من بقائكَ.
الهمومُ لا ترحل،
لكنّنا نرحلُ إلى تفاصيلِها،
ونمضي — منتصرين بأنّنا عرفناها.
وإن رأيتَني مصباحًا مضيئًا،
فلا تُغمِضْ عينيكَ،
كي لا تبحثَ عن نفسكَ في الظلام.
لنهدأْ من اضطرابِ الجنون،
ونتمرّدْ على الظلامِ كما يحلو لنا.
ابقَ بعيدًا عن حياةِ الخفافيش،
فحتى هم في غايةِ السعادة،
ولا تُذكّرْهم بانعدامِ الضوء…
هم وحدَهم أكثرُ درايةً بالعتمة.
سندركُ يومًا أنَّ جمالَ الأرضِ في الحاضر،
ولن نطولَ قاعَ البحرِ لجمعِ الورود،
فابقَ — في مساحةِ انتصارِك،
وازرعْ شتاتَك ليصيرَ الكونُ بستانَك.
4
هناكَ أملٌ يأتي لا محالة،
والصبرُ عطرُ الحياة، فلا تُغفِلْ عن اليقين.
أشلاءُ التفكيرِ ذكرياتٌ مرّت على سِكّةٍ
لن تتبعَها، ولو على انزلاقِ غضبِك.
لا تَمُتْ في أوّلِ الفصول،
ولا تَعِشْ فصلًا بلا شوقٍ للحياة.
في كلِّ نظرةٍ نداءٌ إلى الخطوةِ الأقوى،
طفلٌ يركبُ أرجوحةً — اتبِعْهُ إلى الفضاء،
وامرأةٌ تُمشّطُ شعرَها — قُلْ لها:
سيبدأُ العالمُ بالحبِّ تحتَ خُصلةٍ من شعرِها.
كلُّ شيءٍ يسيرُ نحو النهاية،
نُولَدُ، وغيرُنا يرحل،
ولا أحدَ منّا متشبِّثٌ بقطبِ الأرض،
كي لا تدورَ، ولا يتوقّفَ لحنُ الزمن.
ليسَ من الوفاءِ أن يُقرّرَ أحدُهم اتجاهَك،
ولا من الكرمِ أن يُمنَحَ لكَ الوقتُ لتمريرِ أنفاسِك.
الحرُّ صباحٌ، والحرُّ مساءٌ، والحرُّ ليلٌ
يُمجِّدُ السكينةَ.
أنتَ لستَ أقوى من لحظةٍ تمرّ،
لكنَّكَ أسعدُ ممّن مرَّ بها ولم يشعر.
كانوا من قبلِنا يبحثون عن اكتمالِ البهجةِ فينا،
وجئنا على ترانيمِ الوداع،
فقبلناها، ومضينا نحاولُ ربحَ الحياة.
فمَن يعتبُ علينا لكونِنا ورثةَ اليقين؟
هو ذاكَ الذي يرى في الوعيِ عدوَّه،
وفي ظلالِ النفسِ نارٌ تلتهمُ البقاء،
فأرجوكَ — لا تُكلِّمْنا عن الشقاء،
لقد خرجنا على اليمينِ فزرعنا الصفاء،
وعلى الشمالِ مددنا الوفاء،
وفوقنا تزهرُ السماء،
وعلى الأرضِ أجنحةُ السَّناء،
رتِّبوا الحروفَ وجمِّلوا المساء.
طاهر عرابي – دريسدن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .