تأكل أصابع الرجلين :
_هو يرتعد كورقة تحت مهبّ الريح ،يجذب الغطاء ويغطّي رأسه ،يكاد يختنق،العرق يتصبّب،بدأت القطرات الأولى من جبهته،ضاق فيه التنفّس الغطاء السميك يمنع الهواء من التحرّر .
في الظلام كلّهم نائمون يشخرون،إلاّ هو قلق،حائر خائف ،لا شكّ تأكله ،وتحب اللحم الطريّ للأطفال الصغار، خاصّة منهم المشاغبون ،وتبدأ بأصابعه ،هذا
ما قالته الجدّة في سهرة ليلة العام الجديد
كانوا مجتمعين ،كلّ أفراد العائلة ،وهم يتناولون في المكسّرات، بعد تناول وليمة دسمة بلحم الدجاج ،وينال منها فخذا كاملا التهمه، له مدة عام لم يذق اللحم،والآن لا يفرّط في غنيمته .
تحلّقوا حول الكانون ،ناره موقدة ولهيبها ،يعلو للسماء
لأن الحطب يابس والهواء متوفّر، تتراقص النار ،
أشباحها على الجدران مثل الدمى الصينيّة .
عادت إليه مخاوفه الغولة ستأكله ،إنها جائعة ،ربّما
ستدخل من النافذة التي لا تغلق وليس لها باب ،تطلّ
عليه الغولة وتخرج لسانها ،أحمر طويل قدر قامته ،أسنانها منشار متفاوتة الطول والعرض،تنظر
إليه وتراه رغم أنه تحت الغطاء ،يعزم على طلب النجدة ،أم..أم..أم.لايخرج صوته ضربه حمار الليل ،يبكي في صمت ،يسمع خرخشة إنها القطة ،صيّادة ماهرة تمسك الفأر أينما وجد .
سقف البيت مغطّى من الداخل بأغصان الأشجار وأوراقها،عشعشت فيه الفئران ،هي بالعشرات تروح وتجئ ،الفتها العائلة ،ونادرا ما يوضع فخّ لاصطيادها
هي حرّة طليقة،لكن ماذا تجد في بيت الفقر غير
حبوب القمح والشعير.
نعود لطفلنا الصغير ،كيف تمرّ هذه الليلة،عادت الغولة
تتوعّده وتهدّده وتفتح فاها وهو يحاول الصياح بقوّة
وفي هذه المرّة ينجح ويدوّي صوته،ويملأ الغرفة رنينا
وتجري الأمّ،وتحتصنه ،باسم الله الرحمان الرحيم
مالك ياولدي ! لا تخف أنا معك .
الغولة التي حكت عنها جدّتي،إنها هناك تبغي افتراسي
نعم هنا! انظري ألا ترأينها ! هي،هي غطّيني...
ورغم ألم وقلق الأمّ ابتسمت ،لأن ولدها أشار للقربة
المعلّقة،قربة الماء لكونها سوداء ولها شعر وأضاف لها الطفل من تخيلاته اللسان والأسنان .
رغم طمأنته واحتضانه بقي خائفا مرتعبا متمسّكا بثوب أمّه،وكأنه مغناطيس شدّ لقطعة حديد .
بدأ ينظر لأصابعه واحدا بعد الآخر يتلمّسها ويتأكد من سلامتها،يحسب ،أصبع واحد،إثنان..مليح ! يبتسم خمسة، ويقبض عليها بيده ،يخاف من هروبها أو اقتلاعها ،ومن يضمن له ذلك ! لا أحد ! عليه أن يكون حذرا ويطلب من أبيه شراء جوارب له خشنة وصوفيّة عندما يتسوّق، هو لا يملك الجوارب ولم يستعملها ،لا هو ،ولا أفراد عائلته ،لكنه رآها عند زوج عمّته الغني الذي يعمل في العاصمة ،أمّا هو فلم تخلق رجلاه للجوارب،خلقت لأسنان الغولة والغبن والقهر، يرى بعينيه ويمنّي النفس ،مثله دودة، محتقرة من الجميع
حظوظ وحظوظ ،وأطفال في الرفاهية،وآخرون ممزوجون بالتربة ،وبأقدام حافية ،مشقّقة من الشوك والبرد ،وحتى يبقى الرأس نازلا للاستعباد
يخوّفونهم بالغولة والظلام ،والجنيّة،لا يسمعون
بساندريلة حينما تحوّلت إلى أجمل الجميلات ،يبحث
عنها الأمير ليتزوّجها .
ايه حكايات ..ومع ذلك هناك الكثيرون كبروا وكونوا أنفسهم ونجحوا،وأخذوا الدنيا بيد مسلوخة تقطر دما،ولم يركعوا لأحد تفوّقوا على أبناء حليب البودرة،وقطع الشوكولاطة
يبتسم ويعود لنفسه ويسدل ستار الذكريات ،لكنّه لم يعرف لماذا حشر هذه الفكرة الأخيرة ،وما علاقتها
بخوف الطفل من الغولة!!..
الكاتب الجزائري عبدالعزيز عميمر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .