"فلسطين القطبُ الثالث"
ليست مكانًا فقط، بل نقطة التقاء بين الألم والأمل، بين التاريخ الحيّ والحقّ الذي لا يزول.
هي الجوع الذي لم يقتل العزيمة، والانفجار الذي لم يطفئ جذوة الانتماء.
في هذه القصيدة، ندعوكم إلى دخول هذا القطب —
حيث لا تُقرأ العودة على خرائط السياسة،
بل على نبض العروق ودقات القلوب.
دعونا نضيء معًا في عتمة الغياب،
وننسى عقارب الخداع… فالساعة الحقيقية هي ساعةُ العودة.
⸻
فلسطين القطبُ الثالث
(قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي)
دريسدن – 25.10.2024 | نُقّحت في 08.07.2025
لن ننتهي بانفجارِ قذيفةٍ،
حتى لو صارتِ الصواريخُ تحملُ قوائمَ المرشّحينَ للموتِ،
ولا نستسلمُ حينَ يجفُّ الجوعُ في الأفواهِ،
وتنزلُ بنا المسغبةُ نزولَ الطاعونِ.
كانتِ الخيمةُ أقسى من أشواكِ العروقِ،
وخرجنا منها نحملُ أغصانَ الشجر:
زيتونًا، ورمّانًا، وزهراتِ بيلسانٍ،
نتدافعُ على مديحِ المطرِ، سيدِ الأرضِ،
وننشدُ العودةَ على أطباقِ البهجة،
بتغاريدٍ لم تصدأ في الحناجرِ.
هذا المستعمرُ أهوجٌ،
خسرَ تاريخه بين رقّةِ الإنسانِ وظلِّ الزنبقِ،
وفشلَ في نقشِ تاريخٍ على جدرانٍ لا تغرقُ.
أحمقٌ ظنَّ أن الألغامَ تُنبتُ أسوارًا،
وأن الطائراتِ تحمي عيونَه من الفشلِ.
ما أحمقَه حين لا يتأمّل،
حين ينسى أن فلسطينَ دائرةٌ قطبيّةٌ،
تشبهُ مزهريّةً ذهبيّةً مرصّعةً برخامِ التاريخِ،
وردُها من روحِ الشعبِ الفلسطيني،
منذ نكبةِ الأرضِ،
بعد طوفانِ نوحٍ ونُخبتِه العطريّةِ.
لا تظنّوها سرديّةً في علبةِ سردينٍ،
إنها محطّتُنا… في رحيلٍ لم يكن رحيلًا.
سنتلظّى، ونتألّم طويلًا في بردِ المسافةِ،
بين الحجارةِ، وأكوامٍ تُرهقُ الطيورَ،
إذ تقفزُ فوقَ العدمِ،
لا جناحَ لها، ولا ظلًا يُرشدها،
حتّى نرتشفَ الصبحَ من فنجانٍ لا يرتجفُ،
ونقطفَ البرتقالَ من عَرَقِ الندى.
ليس كلُّ قدرٍ كارثةً،
ولا كلُّ كارثةٍ قدرًا.
وما هو لك… ليس بعيدًا.
لم نكن غرباءَ، بل كنّا مشرّدين
تحتَ ضغطِ المستحيلِ.
أحرقوا المصباحَ، وأتلفوا الفتيلَ،
ثمّ تفقدوني بين جريحٍ وقتيلٍ.
كنتُ جريحًا، وكنتُ قتيلاً، وما زلتُ أنا…
فلسطينيًّا، أحيا وأموت، وكأنني رسولٌ.
لن نحتكمَ لأحدٍ إن كنّا ضعفاء،
ولن نحتكمَ للقوّةِ إن صرنا أقوياء.
ما يهمُّ الشريدَ سوى العودةِ،
نقلّم الزيتونَ والليمون،
ونُجدّدُ الوفاء.
بيننا وبينَ القنابلِ حربٌ،
نفكّكها، نصهرها،
ونصنعُ محراثًا يجزُّ الصخرَ،
نحرثُ به الوجودَ من جديد،
لتبصرَ الأرضُ وجهَ الصمود
لا تؤاخذوني…
سفرُ العودةِ تنظّمه العروقُ،
وتتبعه الأجسادُ بأحلى الصورِ.
التائهون عن القطبِ سيدورون
في زوبعةٍ لا تحتملُ الطرقَ.
يا ليتَ العمرَ كلَّه عودةٌ،
ويا ليتَ العودةَ وعدٌ في كلِّ ساعاتِ النهارِ.
جاهزونَ… وعائدون،
فالأرضُ ساعةُ المسافرِ،
وحقيبتُه جسدٌ منيرٌ.
ما كان لوعدِ الأرضِ أن يصيرَ سرابًا،
ولا لمتجبرٍ أن يصيرَ محرابًا،
فمن سكنَ الخرابَ
لن ينسى أين الشباكُ والبابُ.
(ط. عرابي – دريسدن)