(منارةُ العِلم)
1-حيّوا الكنانةَ ثم حيّوا الأزهَرَا
نَشَرَا علومَ الكونِ حتَّى أزْهرَا
2-وهما اللذانِ بهم تفاخرتْ الدُّنَا
شرقاً وغرباً في السماءِ وفي الثَرَىٰ
3-حَمَلا لواءَ العلمِ دونَ تهاونٍ
حتَّى بلغنَا في تقدمِنَا الذُّرَىٰ
4-مصرُ الأبيةُ فتَّحتْ أبوابَهَا
وبها نَرى نهرَ المحبةِ كَوْثَرَا
5-ما فرَّقتْ بينَ البلادِ وإنَّمَا
فَتَحَتْ ذراعاً للمدائنِ والقُرَىٰ
6-هي صَدَّرتْ للكونِ كلَّ علومِهَا
والكونُ مِن أُمِّ العلومِ تأثَّرَا
7-فالعلمُ فيها عاشقٌ لتجددٍ
حاشاهُ يوماً أنْ يكونَ مُكرَّرَا
8-ولها على الدنيا أيادٍ جمَّةٌ
ستظلُ قُطرَاً للزمانِ ومِحْوَرَا
9-ولهَا على كلِّ النساءِ فضائلٌ
يكفي بأنْ وهَبَتْ لهنَّ الأزْهَرَا
10-مِن ألفِ عامٍ أو يزيدُ وما انثَنَىٰ
إلَّا لربٍ حقُّهُ أنْ يُشكَرا
11-فبناهُ جوهرُ كي تعانقَهُ العُلا
ويكونُ أوَّلَ مَن بَنَىٰ فقهَ الوَرَىٰ
12-صاغَ الإلهُ لهُ الربيعَ مواسماً
وحباهُ علماً سائغاً ومُيَسَّرَا
13-كشفَ الغياهبَ عن عقولٍ كالدُّجَىٰ
صارتْ بحُسْنِ بيانِهِ دوماً تُرَىٰ
14-نامتْ عيونُ الجهلِ وهْيَ كئيبةٌ
واللهُ شاءَ لعلمهِ أنْ يَظْهَرَا
15-وبهِ استقامَ الخلقُ في سُنَنِ الهُدَىٰ
بشيوخهِ باعَ السماحةَ واشترىٰ
16-أعطاهُ ربِّي في الحياةِ مكانةً
حتّى بَدَا للجهلِ بدراً نَيِّرَا
17-صانَ البلادَ من العداوةِ والرَّدَىٰ
مِن بعدِ ما عَبَثَتْ بها أُسدُ الشَّرَىٰ
18-كم قالهَا إنَّ التّطرّفَ بدعةٌ
والبطشُ في الإسلامِ قولٌ مُفتَرَىٰ
19-والسيفُ في الإسلامِ ظلَّ بغمدهِ
ما كان إلَّا للعدوِ مُشَهَّرَا
20-ما كان إلَّا للطغاةِ ومَن بَغَىٰ
ومَن اعتدىٰ في شرعنَا أن يُقْهَرَا
21-فحمى العروبةَ من تفاهاتِ العِدَا
وأقامَ صرحاً للعلومِ ومِنْبَرَا
22-وأقامَ جامعةً بكلِّ مدينةٍ
مِن عِلمِهَا صَلَّىٰ الزمانُ وكبَّرَا
23-أحيَا علومَ الدينِ والدُّنيَا معاً
بمعاهدٍ تَأبىٰ بأنْ تَتَعثَّرَا
24-فيراهُ أحبابُ الهدايةِ بلسماً
ويراهُ أعداءُ الأمانِ غَضَنْفَرَا
25-فَرِحَتْ بهِ الأيامُ لمَّا شَاهَدتْ
أعداءَهُ يمشونَ مشيَ القَهْقَرَىٰ
26-فاضتْ بلاغتُهُ وذقنَا شهدَهَا
كالماءِ مِن قلبِ الصخورِ تَفَجَّرَا
27-نادَىٰ علىٰ أهلِ الفصاحةِ دائماً
يحكي لهم في كلِّ عصرٍ مَا جَرَىٰ
28-كُلُّ الحضارةِ غُيِّرَتْ وتَبَدَّلَتْ
لكنَّهُ يَأبَىٰ بأنْ يَتَغيَّرَا
29-فعلىٰ موائدهِ علومُ زمانِنَا
ورجالُهُ دوماً يجيدونَ القِرَىٰ
30-هو ناصعٌ مثلَ الصباحِ جبينُهُ
فيهِ الوجاهةُ لا تفارقُ مَنْظَرَا
31-فيهِ الكياسةُ والفصاحةُ والنُّهَى
قد أنجبتْ فيهِ اللآلئُ جَوْهَرَا
32-دعْوَاهُ فاقتْ في الهُدَىٰ نُوْحَاً وكم
كشفَ الغياهبَ في العقولِ ونَوَّرَا
33-سيظلُّ يحيَا دائماً بعطائهِ
شيخُ الهُدَى فتَحَ البلادَ وعَمَّرَا
34-صانَ الوَرَىٰ ودمُ ابنِ آدمَ عندهُ
ما كان يوماً في الشرائعِ مُهْدَرَا
35-ما خاصمَ الإسلامُ فيهِ عقيدةً
أبداً وما قتلَ اليهودَ وكَفَّرَا
36-يمشي لدربِ الحقِ في ثقةِ الخُطَا
يمشي على دربِ الشموخِ تَبَخْتُرَا
37--ستراهُ دوما إنْ شممتَ ثيابَهُ
مِسْكَاً يفوحُ على الزمانِ وعَنْبَرَا
38-كسفينةِ الإسلامُ يَحمِلُنَا بهَا
فيها الأمانُ ولا تهابُ الأبْحُرَا
39-وبهِ استقامتْ للحياةِ حضارةٌ
مِن بعدِ ما كانتْ تُحبُّ المُنْكَرَا
40-فَجَلَىٰ الغياهبَ والضلالةَ كُلِّهَا
قد كان من فيضِ النعيمِ مُبَشِّرَا
41-يصحو لكلِّ تحزبٍ وتَربُّصٍ
ليلاً نهاراً لا يراودهُ الكَرَىٰ
42-بلغَ العنانَ بفكرهِ وأصولهِ
ومبشِّراً كلَّ الأنامِ ومنْذِرَا
43-هو عالجَ الإسلامَ مِن صدماتِهِ
ومِن التَّشَبُّهِ دونَ وعْيٍ حَذَّرَا
44-وإذا تَخيَّرَ أنْ يقودَ عقولَنَا
من دونِ إزعاجٍ لها لتَخيَّرَا
45-حيّوا أبِي للعلمِ وجَّهَ مُقلَتِي
لمنارةٍ بالدِّيْنِ لا لن تُكْسَرَا
46-فنشأتُ أحملُ في الحياةِ رسالةً
بعزيمةٍ فَاقَتْ عزيمةَ عَنْتَرَا
47-وغَنِمْتُ منه فصاحةً وبلاغةً
فالعلمُ أضْحَىٰ سَائِغَاً ومُفَسَّرَا
48-أكْرِمْ بهِ نَسَبَاً يُحَدِّدُ وجْهَتَي
ويَقُوْدُنِي للنُّورِ كي أتَحَرَّرَا
49-مهما كتبتُ من القصائدِ مادحاً
في مجدهِ أكُ في القصيدِ مُقَصِّرَا
50-يا ربِّ فاحفظْ للعروبةِ أزهراً
ما لاحَ نجمٌ في الظلامِ وما سَرَىٰ
بقلمي/ صهيب شعبان