#العالَم_العربي #العالَم_الإسلامي #الإنسانية
#النبض_14" – عودةُ تعز"
غابت تعز عن الشاشاتِ أسابيع،
لم تكتب،
لم ترد،
لم تُعلِّق،
اختفت بهدوءٍ،
كأنَّها قطعت الكهرباءَ عن نفسها دون إعلان.
كانت تجلسُ في غرفةٍ صغيرةٍ جنوبَ المدينة،
نافذتُها تُطلُّ على جبلِ صبر،
والمطرُ لا يتوقَّف.
لم تكن تتأمَّل،
كانت تُعيدُ قراءةَ نصوصِها القديمة،
كأنَّها رسائلُ كتبها شخصٌ آخر.
ذات صباحٍ،
حين خفَّ المطرُ قليلًا،
خرجت تمشي.
وصلت إلى حديقةٍ صغيرةٍ قربَ مدرسةِ أطفال،
جلست على مقعدٍ مبلَّل.
مرَّت امرأةٌ في الخمسين،
تدفعُ عربةَ طفل.
توقَّفت،
نظرت إليها طويلًا،
ثم قالت بلهجةٍ يمنيَّةٍ خفيفة:
«أنتِ تعز، يا بنتي؟
أنا قريت كلامِك زمان.
كان يفتح لي راسي.
اليوم الناس يقولوا إنَّكِ تركتِي الدرب.»
لم تُجب تعز فورًا،
نظرت إلى الطفل،
كان يلعبُ بأصابعه.
قالت بهدوءٍ:
«أنا ما تركت شيء.
أنا بس تعبت
إنَّ الناس يقرِّروا عنِّي إيش أقصد.»
ابتسمت المرأة ابتسامةً مُتعبة:
«أنا كمان تعبت.
ولدي يسألني أسئلةً تُقطِّع القلب،
وأنا ما أعرف أردّ
غير بالكلامِ القديم اللي تربَّينا عليه.»
مدَّت لها ورقةً صغيرة،
عليها رقمُ هاتف.
«لو قدرتِ…
كلِّميني يوم.
مش لازم تكتبي للكل.
بس لأمٍّ زيِّي
تحتاج تسمع صوتًا صادقًا.»
مشت المرأة،
وبقيت تعز جالسة،
تمسكُ الورقةَ
كأنَّها شيءٌ ثمينٌ وثقيلٌ في آن.
في المساءِ عادت إلى البيت،
سهيل كان يُعدُّ طعامًا بسيطًا،
رائحةُ بصلٍ وبقدونسٍ تملأ المكان.
وضع طبقًا أمامها وقال:
«كنتِ تفكِّرينَ في شيء؟»
أخرجت الورقة،
وضعتْها على الطاولة.
«امرأةٌ في الحديقة.
قالت إنَّ ولدَها يسألُ أسئلةً صعبة،
وإنَّ كلامي زمان كان يساعدها.»
نظر سهيل إلى الرقم،
ثم إليها:
«بتكلِّمينها؟»
نظرت إلى الطبق،
لم تأكل بعد.
قالت:
«ما أدري.
بس حسَّيت إنَّ في ناس
ما يشتوني أكون رمز،
ولا عدو،
ولا شهيدة.
يشتوني بس إجابةً لسؤالِ ولد.»
رفعت عينيها إليه:
«تعبت من الشاشات.
تعبت أكون تعز اللي يتكلَّموا عنها.
أشتي أرجع أكون
بنت عاديَّة
تسأل وتجاوب.»
ابتسم سهيل ابتسامةً خفيفةً مُتعبة:
«إذًا ارجعي.
مش للعالم.
ارجعي لنفسكِ أوَّل.
وبعدين،
لو حبيتي،
للي يسأل بصدق.»
في تلك الليلة كتبت رسالةً قصيرة:
«مرحبًا.
أنا تعز.
لو حابة،
قولي لي إيش يسأل ولدك.
بحاول أجاوب بصدق،
من غير ما أكون شخصيَّة.»
ضغطت «إرسال».
أغلقت الهاتف.
وخرجت إلى الشرفة.
المطرُ عاد يهطل.
لم تشعر بانتصار،
ولا بهزيمة.
شعرت فقط
أنَّها بدأت تتنفَّس من جديد.
---
#الأثوري_محمد_عبدالمجيد.. 2026/2/15
#ملحمةُ_النبضُ_الأول، #أدب_عربي #فِكر_إلهام #غيّروا_هذا_النظام.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .