سلسلة: قرص الدهشة
المحطة الثالثة: سوء الفهم
كيف تتحول النية إلى تهمة، والصمت إلى إدانة
سوء الفهم ليس خللًا لغويًا بقدر ما هو خلل إدراكي.
إنه المسافة الصامتة بين ما نقصد قوله، وما يُفهم عنا.
وفي هذه المسافة تتكوّن أكثر الأحكام قسوة، لا لأنها حقيقية، بل لأنها سريعة.
الإنسان لا يسمع الكلمات فقط، بل يسمعها من خلال تاريخه، مخاوفه، تجاربه السابقة، وحساسيته الخاصة.
لهذا قد يقول أحدنا عبارة محمّلة بنيّته الصافية، فتصل إلى الآخر محمّلة بظنونه القديمة.
وهنا لا يكون الخلل في القول ذاته، بل في الفلتر الذي مرّ عبره.
سوء الفهم لا يولد من فراغ، بل من تداخل ثلاث طبقات:
التوقع المسبق، والذاكرة الانفعالية، والاستجابة الدفاعية.
فالعقل حين يتوقع تهديدًا، يفسّر الإشارات بحذر زائد،
وحين تكون الذاكرة مثقلة بخيبات سابقة،
تتضخم الإشارة الصغيرة حتى تبدو وكأنها اعتداء.
في هذه اللحظة، لا يعمل الوعي بكامل طاقته،
بل تتقدم الاستجابات الانفعالية على حساب التحليل المتزن.
فيندفع أحد الطرفين إلى الدفاع،
بينما يتمسك الآخر بأول تفسير يطرأ عليه.
وهكذا تتحول النية إلى تهمة،
والصمت إلى موقف عدائي،
والتردد إلى برود.
المشكلة ليست في الاختلاف،
بل في غياب المسافة العادلة بين الفعل وتفسيره.
فالإنسان حين لا يمنح نفسه لحظة مراجعة،
يستبدل السؤال بالحكم،
ويستبدل الاستيضاح بالانسحاب.
أخطر ما في سوء الفهم أنه لا يعلن نفسه.
يبدأ بصمت بسيط،
ثم يتراكم في الداخل كقناعة غير مختبرة،
حتى يصبح حقيقة راسخة في ذهن صاحبها،
وهو في الأصل لم يكن إلا احتمالًا.
ليس النضج أن نتكلم أكثر،
ولا أن نصمت أكثر،
بل أن نتعلم مهارة التفريق بين ما قيل،
وما ظننّاه قد قيل.
أن نُمهل المعنى قبل أن نحاكمه،
وأن نمنح الطرف الآخر فرصة التوضيح قبل أن نُصدر عليه حكمًا داخليًا.
سوء الفهم ليس عيبًا أخلاقيًا،
لكنه يصبح خطأً أخلاقيًا حين نصرّ عليه دون مراجعة.
فالوعي الحقيقي لا يتمثل في أن نكون دائمًا على صواب،
بل في أن نملك الشجاعة لإعادة النظر.
في نهاية الأمر،
لا تُفسد العلاقات الكلمات،
بل تُفسدها التأويلات غير المفحوصة.
وحين يغيب الوعي،
تتحول أبسط العبارات إلى شرخ عميق.
✍️ حسين عبد ا
لله الراشد
كاتب ومحاضر في الوعي النفسي والإنساني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .