رحلة الخيال في بستان الشعراء
*************************
للمرة الثانية..
دخلت البستانَ وحدي..
لم يكن مسموحاً لي إلا بلمسِ العطر..
الذي تركهُ الراحلون خلفهم.
تعثرتُ بـ امرئ القيس..
وجدتهُ يمشطُ شَعْرَ الريحِ بمشطٍ من لازورد
كان يقطفُ من شجرِ الليلِ خُيولاً جامحة
ويخبئُ البرقَ في جيوبِ عباءتِهِ..
لكي لا ينطفئَ التاريخ.
ثم مِلْتُ جهةَ اليسار..
فشممتُ رائحةَ كبرياءٍ حادّ..
كان المتنبي يجلسُ تحت شجرةِ أنا الباسقة..
ينتظرُ أن تنحني لهُ الجاذبية..
كان يكتبُ على ورقِ الوردِ أسماءَ الملوك
وعلى ضفةِ جدولٍ من دموعٍ رقيقة..
لمحتُ نزاراً كان يرتدي قميصاً من الياسمين
ويُعلّمُ العصافيرَ..
كيف تنطقُ أحبكِ بلهجةٍ دمشقية
لم يكن يكتبُ شعراً
كان يقلمُ أظافرَ الكلماتِ القاسية
لكي لا تخدشَ خدَّ الورود
وفي ركنٍ قصيٍّ..
كان درويش يزرعُ ظلَّهُ في التراب
ويسقي شجيرةَ الزيتون..
بماءِ الكلامِ المصطفي
كان يحاولُ أن يقنعَ الفراشاتِ بأنَّ القدسَ..
هي رائحةُ الخبزِ في الفجر..
وارتعاشةُ القافيةِ في منفى الروح.
أما الصغيرُ الذي يركضُ بينَ الممرات
تميم فقد كان يجمعُ ريشَ الهدهدِ
ليصنعَ منهُ طائرةً ورقيةً تصلُ إلى السماء
كان يشدُّ خيطَ اللغةِ بقوةٍ الأرض
حتى تكادُ أصابعُهُ تنزفُ شعراً
ليقولَ لنا إنَّ الحكايةَ لم تنتهِ
وإنَّ البستانَ ما زالَ ينجبُ النبغاء
وعلى مَقربةٍ من نبعِ الحنين
وجدتُ فدوى طوقان لم تكنْ وحيدة
كانت تعجنُ ترابَ الأرضِ بدموعِها
لتصنعَ منهُ قمراً لكلِّ اليتامى
كانت تهمسُ في أذنِ الصخرِ ليلين
وتمشطُ شعرَ الجبالِ بيديها الرقيقتين
كأنها أمُّ البستانِ
التي تخبئُ في حقيبتِها..
مفاتيحَ البيوتِ التي سُرقتْ
وتعلّمُ الياسمينَ
كيف يقاتلُ برائحتهِ دونَ سِلاح
وفي صالونٍ من المرايا والكتبِ الفاخرة
كانت مي زيادة تجلسُ كملكةٍ غيرِ مُتوجة
يحيطُ بها ضجيجُ العشاقِ الصامت
كانت تكتبُ رسائلَ لا تصل
وتجمعُ تناهيدَ العباقرةِ في زجاجاتٍ من عِطر..
تبتسمُ للكلِّ وقلبُها يسافرُ إلى جبران
خلفَ البحار
كانت هي الحزنَ..
الذي لا يجرؤُ أحدٌ على كسرِه
وفجأةً.. رأيتُ شوقي
يرتدي جبةً من خيوطِ الذهب
يمسكُ بزمامِ القافيةِ
كأنهُ يقودُ خيلاً من نور
كان أميرَ اللحظة
يبني من الكلمات..
قصوراً أندلسيةً تضجُّ بالحياة
وإلى جانبهِ كان حافظ إبراهيم
يلفُّ عباءتَهُ المصريةَ حولَ النيل
كان صوتهُ يخرجُ من حنجرةِ الشعب
يغسلُ أوجاعَ الفقراءِ بماءِ البلاغة
ويحوّلُ الألمَ إلى كبرياءٍ يليقُ بوجوهِ الصابرين
وفي ركنٍ غاضبٍ وجميل
كان أحمد مطر..
يشحذُ ريشتَهُ كأنها سيفٌ مسلول
لم يكن يكتبُ حبراً
كان يسكبُ حِمماً على الورق
يضحكُ في وجهِ الجلادِ بسخريةٍ قاتلة
ويجعلُ من القصيدةِ قنبلة من ياسمين
تنفجرُ وعياً في عقولِ النائمين
وبجانبهِ كان سميح القاسم
يرفض أن ينحني للعاصفة
ويصيحُ في وجهِ الموت..
أنا لا أحبك.. ولكني لا أخافك
كان شعرهُ طبلَ حربٍ يوقظُ الموتى
أما أنس الدغيم..
فقد كان يقفُ على شُرفةِ الشام
يقطفُ من دمشقَ زهرَ الليمون
ويضعهُ في مِحبرته
يكتبُ عن الوجعِ بأناقةٍ تليقُ بالملوك
ويحوّلُ الهزيمةَ إلى صلاةٍ خاشعة
وعند بوابةِ البستانِ العتيقة
رأيتُ كعبَ بن زهير
يرتدي بردةً نبويةً فائقةَ البياض
كان يعتذرُ للتاريخِ بجمالِ اللغة
كانت كلماتُهُ سُكناً للأرواحِ الضائعة
أما تميم..
فقد كان يختمُ الجولة.
وهو يلوحُ بشالِهِ الفلسطينيّ
يركضُ بينَ العصورِ خفيفاً
كأنهُ لا يحملُ فوقَ كتفيهِ تاريخاً مثقلاً بالهزائم
كان يقطفُ من كلِّ شاعرٍ زهرة
ليصنعَ لنا باقةً جديدة
ويقولُ لنا بلغةٍ تُشبهُ نبرةَ نزار وقوةَ المتنبي
لا تخافوا على اللغة..
فالبستانُ ما زالَ ينمو في قلوبِكم
خرجتُ من البستانِ ولم أحملْ معي زهرة
حملتُ "رعشةً" في يدي، ففي ذلك المكان..
لا يموتُ
الشعراء،
يتحولونَ إلى هواءٍ نتنفسُهُ..
كلما ضاقت بنا سجونُ النثر
بقلم :حنان أحمد الصادق الجوهري
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .