الأحد، 15 فبراير 2026

الحب المسافر بقلم الراقي بهاء الشريف

 تقديم نقدي

نصٌّ يتكئ على الرمز لا على الحكاية، ويستند إلى التأمّل لا إلى البوح المباشر؛ حيث يتحوّل السراب من صورةٍ طبيعية إلى مفهومٍ نفسيّ يكشف هشاشة التعلّق ووهم العاطفة حين يعطش القلب.

يقدّم الكاتب تجربة شعورية ذات مسارٍ تصاعدي يبدأ بالتساؤل، يمرّ بالانكشاف، وينتهي بالوعي والتحرّر؛ وهي بنية فكرية ناضجة تُحسب للنص قبل لغته.

إنه نصّ لا يكتفي بوصف الشعور، بل يشرّحه، ولا يكتفي برصد الوهم، بل يعرّيه — لذلك يقرأه المتلقي مرتين: مرة بإحساسه، ومرة بوعيه.


*الحُبّ المُسافِر



الحُبُّ المُسافِر


وَتَسأَلُ نَفْسَكَ:

هَلْ هُوَ حُبٌّ؟

لَا… لَيْسَ حُبًّا،

بَلْ سَرابٌ نَفْسِيٌّ

يَتَمَثَّلُ.


حِينَ تَظْمَأُ الرُّوحُ،

فَتَشْرَبُ الوَهْمَ

وَتَحْسَبُهُ ماءً.


الهَشاشَةُ فِيكَ،

وَالضَّيَاعُ المُسافِرُ بِكَ

فِي صَحْراءِ الشُّعُورِ،

يَدْفَعَانِكَ

لِتَتَمَسَّكَ

بِأَيِّ ظِلٍّ يَلُوحُ

كَأَنَّهُ واحَةٌ.


يَسْتَمِلُّ قَلْبَكَ…

يَقْرَأُ عَطَشَكَ،

يُوهِمُكَ بِالحُبِّ،

يَرْسُمُ نَبْعًا

عَلَى رِمالِ قَلْبِكَ…

فَتُصَدِّقُ،

وَتَهِيمُ…

كَما يَهِيمُ الظَّمآنُ

خَلْفَ سَرابٍ بَعِيدٍ.


تُحاوِلُ لُقْياها—

مَمَرّاتٌ تَتَشَعَّبُ،

خُطُواتٌ تَتَباطَأُ،

شَهَقاتٌ تَتَمَدَّدُ،

دُمُوعٌ تَتَساقَطُ

كَالنَّدَى

فَوْقَ أَرْضٍ بِلا نَبْضٍ.


خَيالٌ يَجْتاحُكَ،

وَلِقاءٌ

يَتَلاشَى

كُلَّما اقْتَرَبْتَ.


تُسافِرُ الرُّوحُ

فِي مَلَكُوتِ البَحْثِ،

وَتَذْبُلُ الأُمْنِيّاتُ

وَرْدَةً… وَرْدَةً،

كَزَهْرَةٍ

سُقِيَتْ وَهْمًا.


يُصْبِحُ الحُبُّ:

سَرابًا

اغْتِرابًا

وَسَفَرًا وَحِيدًا—

أَنا وَاللَّيْلُ.


أُطارِدُ ماءً لا يُبَلِّلُ كَفِّي،

أُعانِقُ ظِلًّا لا يُلامِسُ كَفِّي،

وَداعٌ صامِتٌ…

بِلا دُمُوعٍ،

لِأَنَّ السَّرابَ

لا يُبْكَى عَلَيْهِ.


حِينَ تَعِبْتُ مِنَ الرَّكْضِ

خَلْفَ اللَّمَعانِ الكاذِبِ

فَهِمْتُ:

لَمْ تَخْدَعْنِي الصَّحْراءُ—

أَنَا الَّذِي خَدَعْتُ نَفْسِي بِالسَّرابِ.


جَلَسْتُ

عَلَى حافَّةِ الحُلْمِ،

أُراقِبُ الأُفُقَ،

أُلَوِّحُ لِوَهْمٍ يَتَلاشَى…


حِينَ يَصْفُو القَلْبُ

يَرَى الحَقِيقَةَ

بِلا ماءٍ

وَلا مِرآة.


ثُمَّ ابْتَسَمْتُ،

وَأَعَدْتُ رُوحِي إِلَيَّ،

وَمَضَيْتُ—

أَعْرِفُ الطَّرِيقَ،

وَلا أَرْكُضُ

خَلْفَ سَرابٍ،

وَالأُفُقُ يَسْ

مَعُ صَمْتِي،

وَيَرُدُّ

وَرَدَاتِ الحُرِّيَّةِ

عَلَى قَلْبِي.


بقلمي: بهاء الشريف

15 / 2 / 2026

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .