الأحد، 15 فبراير 2026

ما بعد الدهشة بقلم الراقي حسين عبدالله الراشد

 سلسلة: قرص الدهشة

المحطة السادسة: ما بعد الدهشة

حين يستقر الوعي بعد العاصفة

ليست نهاية الدهشة انطفاءها،

بل استيعابها.

فما بعد الدهشة ليس عودة إلى ما كنّا عليه،

ولا محاولة لتجاوز ما حدث وكأنه لم يكن.

إنه انتقال من الاضطراب إلى الفهم،

ومن ردّ الفعل إلى إدراك البنية التي صنعت رد الفعل.

في هذه المرحلة، لا يبحث الإنسان عن مَن يلومه،

ولا عمّن يواسيه،

بل يبدأ بفحص التحول الذي طرأ عليه.

لقد مررنا بالصدمة،

ثم بالصمت،

ثم بسوء الفهم،

ثم بالفقد،

ثم بمواجهة الذات…

وكل محطة لم تكن حدثًا خارجيًا،

بل إعادة تشكيل داخلي.

ما بعد الدهشة هو لحظة إعادة تنظيم الوعي.

الدماغ الذي ارتبك، يستعيد اتزانه.

النفس التي تأرجحت بين الدفاع والانكفاء، تستقر.

المشاعر التي انسحبت بصمت، تُعاد صياغتها بلغة أكثر نضجًا.

من الناحية النفسية، هذه المرحلة تمثل التكامل بعد التفكك.

فكل صدمة تُحدث شرخًا في الصورة الذاتية،

لكن الوعي حين يعمل ببطء وصدق،

يعيد ربط الأجزاء دون إنكار ما حدث.

ومن الناحية الاجتماعية،

يتعلم الإنسان أن العلاقات لا تُقاس بمدة بقائها،

بل بقدرتها على النجاة من سوء الفهم دون أن تُفقد كرامتها.

ويتعلّم أن الصمت ليس دائمًا حكمة،

ولا الكلام دائمًا شجاعة،

بل إن الاتزان هو القدرة على اختيار اللحظة المناسبة لكل منهما.

أما وجوديًا،

فما بعد الدهشة هو المصالحة.

ليس مع الآخرين أولًا،

بل مع الذات التي أخطأت في التقدير،

أو بالغت في التوقع،

أو صمتت حين كان عليها أن تتكلم.

الإنسان الناضج ليس من لم يُصدم،

ولا من لم يُخطئ،

بل من خرج من التجربة دون أن يفقد قدرته على المعنى.

وهنا تكمن خلاصة السلسلة:

الدهشة ليست عدوًا للوعي،

بل بوابته.

والفقد ليس نهاية الشعور،

بل اختبار لعمقه.

ومواجهة الذات ليست عقوبة،

بل تحرير.

ما بعد الدهشة هو أن تمشي بثبات،

لا لأن الطريق أصبح أسهل،

بل لأنك أصبحت أوضح.

وهذا هو الاتزان الحقيقي:

أن ترى ما كان،

دون أن تنكره،

وتفهم ما حدث،

دون أن تتقمص دور الضحية،

وتقبل التجربة،

دون أن تفقد نفسك فيها.

هنا لا تنتهي الرحلة،

بل تبدأ بوعيٍ مختلف.


✍️ حسين عبد الله الراشد

باحث ومحاضر في الوعي النفسي والإنساني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .