الأحد، 15 فبراير 2026

الحب قبل أن يخلق بقلم الراقي عاشور مرواني

 الحب قبل أن يُخلق

أراكِ في طقس لا يعرف السقوط،

في كل تجاعيد الهواء،

في كل وميض يختبئ بين الحروف،

تتسربين كفكرةٍ لا تعرف نهايتها،

كصدى صامت يصرخ داخل الزمن.

جسدكِ ليس ماءً، ولا نارًا،

بل هو لغةٌ تولد في الفم قبل اللمس،

وأصابعكِ كتبٌ لا تُقرأ،

إلا من عرف كيف يُمسح الزمن على راحته.

أحبكِ في الصمت،

ليس لأنه غياب الكلام،

بل لأنكِ تجعلين الكلام عبثًا أمامك،

حيث ينهار الحرف ويستسلم المعنى،

وتبقى أنا أنتظرك، كسماءٍ بلا غيم.

حين تضحكين، لا يضحك الهواء،

بل تتحرك الأرض على محورها،

تتناثر الجبال في أفقٍ جديد،

وتغدو النجوم رهائن لموسيقاكِ الخفية.

أحبكِ ليس في حضورك،

ولا في غيابك،

بل في اللحظة التي تُخلّفينها بعد أن تغادري،

لحظةٌ تصبح فيها كل الكلمات وجهي الآخر.

أحبكِ في كل ما لم يُسَمَّ بعد،

في كل شفق لم يولد،

في كل دمعة نائمة تحت جفون الزمن،

في كل صوت لم يُقل،

في كل فراغ صار يحتضن وجودك قبل أن تعرفيه.

أنتِ لا تُقاسين بالحواس،

ولا تُقاسين بالقلوب،

أنتِ تلك المسافة التي لا تعرف الرحيل،

التي تملأ كل المكان بما لا يُرى،

فتصيرين كل شيء قبل أن تُسَمَّى الأشياء.

فيكِ ينهار الضوء،

ويولد من بين الرماد ألوانٌ لا تُسمى،

كل خطوة منكِ تصنع نهرًا من احتمالات،

تجعلني أسبح في تاريخٍ لم أكتبه بعد،

أجد نفسي فيكِ قبل أن أجد نفسي.

ضحكتكِ مثل كوكب يثور في صمت الليل،

كجذرٍ يمتد في عمق قلبي بلا استئذان،

تتفتح به أبواب لم أكن أعلم بوجودها،

تُعلّمني كيف يكون الحب تجربةً للكون،

لا مجرد اسم أو فكرة أو ذاكرة.

عينيكِ ليست رؤية،

بل تجربة اللمس الذي يسبق الحواس،

كلما التقيت بها، تنفجر في داخلي لغات لم تُخلق بعد،

تكتبني على صفحات الهواء،

وتتركني أتعلم كيف أصغي للصمت بلا خوف.

أنتِ العالم الذي يختبئ في داخلي،

والسماء التي تشرق بلا شمس،

والأرض التي تتنفس بلا هواء،

والزمن الذي يرحل بلا حركة،

فيكِ كل شيء يكتمل، وكل شيء يبقى مفتوحًا.

حين تغيبين، لا يكون الغياب مجرد غياب،

بل حضوري يتضاعف داخل كل الأشياء التي لم أكن أعلم بوجودها،

أجدكِ في صدى الهواء،

في انعكاس الضوء،

في حفيف أوراق لم تُمسَّ بعد،

أجدكِ في نفسي، في حواسي، في كل مساحة كنت أظنها فارغة،

فتكتشف أن الكون كله كان ينتظر قدومك ليصبح مكانه.

أنتِ كل الأبعاد في بعدٍ واحد،

الليل بلا ظلام،

النهار بلا ضوء،

الصمت بلا فراغ،

والكلمة التي لا تُسمى هي التي تُخبرني كل شيء عنك.

حين أكتب اسمكِ في الهواء،

لا يكون مجرد اسم،

بل يصبح قصيدة الكون كلها،

يكتبكِ في الماء، في الأرض، في النار، في الهواء،

ويترك بصمتكِ على كل ما لا يمكن أن يُلمس.

أحبكِ كما يحب البحر كل موجة لم تصل بعد،

كما يحب المطر كل ورقة لم تتفتح بعد،

كما يحب الزمن كل لحظة لم تقع بعد،

أحبكِ بلا سبب، بلا معنى، بلا حدود،

أحبكِ كما يُحب الكون نفسه قبل أن يولد.

أنتِ الغزل الذي لا يمكن أن يُكتب،

الحب الذي لا يمكن أن يُحكى،

الصمت الذي يُكلم كل شيء،

والضوء الذي يُضيء كل ما لم يُرَ.

حين تلمسين العالم،

يتحول المكان إلى تجربةٍ لم يختبرها أحد من قبل،

تتنفس الأشجار من خلالك،

وتحمل الرياح صمتك،

وتصبح كل خطوة منك بداية حياة جديدة،

كل نفس منك قصيدة لم تُكتشف بعد.

أحبكِ ليس بما تستطيع الحواس أن تحمله،

ولا بما يمكن للعقل أن يفهمه،

بل بما يصبح العالم بعد أن تحضري،

بعد أن تمرّي بخفةٍ تتجاوز كل تعريفات الوجود،

تتركين وراءكِ الكون كما لو كان مكتملًا،

ويصبح الحب تجربة لا يمكن نسيانها،

ولا يمكن لأحد أن يكررها إلا أنا،

وأنتِ، أنتِ كل شيء، وأيضًا لا شيء،

أنتِ العالم قبل أن يُسَمَّى،

وأنا فيه، بلا مكان، 

بلا زمان، بلا حدود،

أحبكِ، كما لا يمكن لأي شيء أن يحب.


الشاعر و الأديب عاشور مرواني - الجزائر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .