يابني.... وجعٌ أعجز النبوَّة
********************
أنا نوح…
لم أكن يومها نبياً فقط
كنت قلباً يرتجف بين السماء والماء
بين اليقين والرجاء الذي لا ينتهي
كنت أباً تتكئ السماء على كتفيه
يقف وحيداً بين طوفانين
طوفان الماء..
وطوفان ضلال الإبن
كنت أقف على حافة الكون..
أرى الماء يصعد..
والهلاك فاغراً فاهُ
كان ابني في معزلٍ عن السفينة
في معزل عن النجاة
في معزلٍ عن القلب
كنتُ أعرف الله معرفة اليقين،
لكنني في تلك اللحظة
تعرّفتُ على نفسي…
كائنًا ضعيفًا
لا تشفع له نبوّة
ولا ينقذه مقام.
يابني اركب معنا
كانت الكلمة أثقل من الجبال
خرجت كدعاءٍ من قاع الروح
كانت كذِكرٍ أخير يعلم..
أن الأقدار حين تأتي..
لا تُراجَع
قلتها وأنا أراه بعين القلب
يُسحَب منه الأمان فجأة
ويُترك وحيداً..
أمام اختياره
قلتها وأنا أعلم..
أن اللحظة الأخيرة لن تعاد
يا رب،
أنا الذي دعوت قومًا
ها أنا أقف عاجزًا أمام قلبٍ واحد.
كأنك أردت أن تُعلّمني
أن تغيير العالم أهون
من إنقاذ من نحب.
«يا بُنَيَّ اركب معنا»
كانت انكساري الكامل.
كانت اعترافي الأخير
بأن الحب لا يملك سلطة،
وأن الهداية ليست مكافأة على الصبر،
ولا نتيجة للتربية،
ولا ثمرة للقدوة.
كنتُ أراه
ولا أستطيع حمله.
كنتُ أعرف الطريق
ولا أستطيع جرَّه إليه.
وهنا فقط فهمت..
أن الإنسان يُترك حرًّا
حتى في اختياره للهلاك.
قال: «سآوي إلى جبل»
فعرفت..
أن بعض القلوب
تبحث عن الأمان
في الصلابة
ظن الجبل أحن من قلبي
ظن الحجر أوفى من دعائي له
قالها وهو ينسحب من السفينة
من الجماعة..
من النجاة
لم يعلم أن الموج لن يحترم غروره
لن يفرق بين ابن نبي وابن خاطئ
ظنَّ الارتفاع نجاة،
ولم يكن يعلم أن السقوط الحقيقي
هو أن يعيش بلا معنى.
يا رب…
كم هو موجع
أن أرى ابني يغلق قلبه
ثم يتهمك ضمنًا
أنك لم تكن كافيًا؟
أنا لم أغرق في الماء،
لكنني غُمرت في سؤال
لن يُجاب:
هل كان يمكن أن أفعل أكثر؟
وأنت—بعلمك—
تعلم أنني فعلت كل ما أستطيع،
ثم سحبتني بلطفٍ
من وهم السيطرة.
حين حال الموج بيني وبينه
كان الموج أصدق من كل ظن
حال بين قلبٍ وقلب
بين رؤيتين للحياة
كان موج مسافة بين من اختار نفسه
ومن اختار الله
قال( سآوي إلى جبل)
لم يعلم أن النجاة تسليم
لم يعلم أن الغرق أصاب قلبه
حين قال أنا أعرف..
ولم يقل أنا أحتاج
حال الموج بيننا..
غرق ابني وبقي الألم طافياً في الذاكرة
غرق وبقي الدرس على سطح التاريخ
وفهمتُ الدرس الذي لا يُعلَّم بالكلمات:
أن الله يختبر إيماننا
في فقد من نحبهم
وفي ترك من نحبهم
يمضون إلى اختياراتهم
ونبقى نحن
نحبهم من بعيد
دون أن ننقذهم.
فبعض الأبناء..
سرٌ إلهي لتهذيب القلب
الهداية ليست ميراثاً
والقلب إذا أعرض..
لا تجبره نبوة أب
ولا دمعة أم
لكنَّه الإبتلاء..
ذلك الذي ينزل الله به حكمته..
دون أن يقاس بتقوى
ولا يفسر بتقصير
ذلك الذي يكشف حدود الإنسان
إنه ليس صاحب سلطة على المصائر
فليس كل ضلال نتاج إهمال
ولا كل غريق دليل فشل
وربما يكون الألم هو الجسر بينك وبين الله
ربما ثقل قلبك..
هو نصيبك من الإمتحان
لا تملك بعده إلا..
أن تترك ابنك يغرق..
وتسلم روحك للسماء
أنا نوح…
وأنا كل أب
وكل أم
وكل قلبٍ ظنّ
أن الحب يكفي.
نحن لا نفشل حين يضيع الأبناء،
نحن فقط نصل
إلى نهاية الدور الإنساني
وبداية التسليم.
يا الله،
إن كان هذا ثمن الحرية
فعلّمنا كيف نتحمّله.
وإن كان هذا معنى الحب
فعلّمنا كيف لا نتحطّم.
اربط على قلوب
من نادوا أبناءهم
ولم يُجابوا،
ومن دلّوا الطريق
وساروا وحدهم.
يا رب،
لا تجعل ضلالهم سببًا للشك،
ولا تجعل الألم تهمة،
واجعل من هذا الوجع
قربًا لا نفهمه
لكن نطمئن فيه.
ثم…
إن نادينا ولم يُسمع صوتنا،
فلا تحرمنا شرف
أن نُسلِّم
وأنت تعلم
أن قلوبنا
لم تتخلَّ
…
بل أُجبرت على الصمت.
السفينة قد تحركت
والقلب لا زال على الشاطئ ينادي
ولا صوت هنا سوي...
صوت الموج.
بقلم : حنان أحمد الصادق الجوهري
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .