السبت، 11 أكتوبر 2025

وطن يستغرغ العروبة بقلم الراقي زياد دبور

 وطن يستفرغ العروبة

زياد دبور


وُلدتُ في بلادٍ علّمتِ العالمَ الحروف،

لكنها نسيت حرف "لا".

أطفالنا يحفظون "الواجبات" 

أكثر من أسماءهم،

ونحنُ نحفظُ أسماء الملوك 

أكثر من أسماء أبنائنا.

العربُ اخترعوا البوصلة،

داروا حتى استفرغهم التاريخ 

فابتلعوا عظامَه ولعقوا لُحمه.

اكتشفوا الدورة الدموية،

فشقّوا عروقهم 

ليُحيكوا بها خطب الجمعة، 

فانصبّ الدم على المنابر كعصيرٍ أسود.

واكتشفوا الصفر،

وجلسوا تحته 

يلعقون حذاءَ المستبد 

حتى لمعَ مثل القمر.

أحببتُ الحرية،

لكنها خرجت من بيتنا 

على نقالةٍ بيضاء،

وكتبوا في تقرير الوفاة: 

"انتحار بسبب ضيق الأفق".

عملتُ أربعين سنة،

كنت أفتح راتبي مثل كفنٍ صغير،

أنفخ فيه رائحة الدولة،

فأجدها ميتة أكثر مني.

قالوا لي: 

أنت حفيد من بنوا الأهرامات،

فقلت لهم: 

نعم، وأنا 

أهدمها حجراً حجراً لأبيعها،

أبيع حضارتي لأدفع إيجار خيمتي،

والمتبرع بالخيمة... 

سائح أجنبي يلتقط صوراً للأهرامات.

الآن أجلس على كرسيٍّ متآكلٍ 

اسمه التاريخ،

تتحرّك عجلاته فقط 

عندما يدوسها الأعداء.

أمامي مقبرةٌ بلا سياج،

كلُّ حجرٍ فيها يحمل رقمًا،

وأنا الرقم الأخير —

صفرٌ يضحكُ على نفسه 

في نشرة الأخبار.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .