هزلية العنكبوت
مونودراما شعرية
للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – 12.01.2025 | نُقّحت 04.10.2025
في هذه القصيدة، يتجسّد العبث والوجود في صورة امرأة العنكبوت التي تلتهم زوجها وطفلها في لحظةٍ من الصراع الداخلي والتجريب. من خلال الرمزية المكثفة، يتكشف مفهوم الحزن والشبع والفقدان، وتتبدّى تعقيدات الذات البشرية في مواجهة القيم الإنسانية الملتبسة.
العنكبوت لا يقدّم سوى ذاته على خيوطها التي تخنق كلّ ما يمرّ بها، بينما الطير يحاول أن يجد عزاءه في الأفق المتناثر.
إنّها قصيدة ترسم فوضى الحياة وتضع العبث في مرآة الشعر، حيث تتقاطع الغرائز مع الأسئلة الكبرى عن العدل، البراءة، والوفاء.
⸻
هزلية العنكبوت
امرأةُ العنكبوت، ثكلى وسعيدة،
أكلت زوجها وطردت طفلها،
ثم التهمته في غفلةٍ
خشيةَ أن يرى الحزنَ عاريًا
في عيونٍ يملؤها اللؤم،
ويشتمها: “أمّ اللؤم لا ترحم.”
قال الزوج وهو يترنّح:
لم أجيء لأُقتل،
بل لأخطَّ على خيوطك
أغنيةً تخنق الغرباء.
صومي قليلًا عن اللحمِ والهواء،
فللعشقِ مسافةٌ ضوئية،
وللموتِ مصاطبُ أزلية،
فلِمَ العجلةُ، والفمُ لا يتعب؟
لكنها ابتسمت للشبع، وشكرت إرادة الجشع،
وترنّحت على خيطٍ من كبد الضحية،
تطربُ لنفسِها بخِسَّتِها، وتُعلِن:
أبني بيتًا ماكرًا يهتزُّ كإغراءٍ لا يُغوي،
بيتًا لا يَسلُبُ رِضى ضحيَّتي، بل يُجبِرُها على المجيءِ مكسورةً،
لتتعثَّرَ خُطواتُها، وتَتخبَّطَ، وتَتألَّمَ في القيود،
فأدورُ حولَها راقصةً بغِبطةٍ وفَرَحٍ — احتفاءً بالمكرِ والغفلة.
فلا تلومني يا زوجي العزيز،
إنني لا أرى في الضحية
إلّا بهجةً متجسِّدةً في صورةِ الشَّبَع.
عند المساء،
جاء طيرٌ مثخنٌ بثأرٍ قديم،
مزّق بيتها،
وتركها تتدلّى بخيطٍ من زوجها.
قالت: «دعني أروي نصف الحكاية؛
ثم أشتاق إلى الصمت،
ففي الصمتِ تكمنُ الحكمة.
ما أروعَ أن تموتَ بعد ندمٍ؛
ولا أدري: أسيوقظُ ندمي المروءةَ فيّ؟»
حاكمني في محكمة العدل،
وانطق ببراءتي:
أنا ملكةُ العبث،
أحيا على فوضى القيم.
لا تحكم بعينيك،
بل بعينيَّ : آنيّة، بريئة،
تتوشّح خيوطَها ككفن.
لم يُخلق لي زرعٌ ولا حبٌّ مثلك،
فلا تتطاول على الحكمة، وهي سيدةُ الحاجة.
غادِر… واتركني بين خيوطي،
فليس لي بحرٌ ولا سماء،
ولا أرضٌ أمدُّ فيها نفسي
لأرى خطواتِ الطير.
هل تعلم…
إنّي أطهّر الشجر من حمل مخيف
وأغذّي نفسي بشقاوة الافتراس؟
إننا أبرياء،
ولو كانت الضحيةُ في فمي برهانًا.
بكى الطير،
وتذكّر أنّ صغاره ابتلعتهم الأفعى.
تنهد بحزن وقال:
لا يُبرّر ما لا يُبرَّر،
ولا يُعفى الظالمُ من مظلوم،
ولا يسقط العدلُ في ميزانٍ مثقوب،
ولا يُبرَّر خلاصُ الضحية.
اعذريني… أراك خارجةً عن الحق.
صرخت العنكبوتة،
لكن صوتها انقطع،
وضاع في فم الأفعى التي مدّت وجهها لتقهر العصفور.
زحفت إلى تحت حجر،
فلسعها عقرب،
وماتت مغطّاةً بذبابٍ لا يرحم،
ولا يعلم أنّ في بطن الأفعى عصافيرَ وعناكبَ.
قال الطير، كأنّه اغتيل من قلق نفسه:
مصيرُنا مجهول،
والمجهولُ حيلةُ التفصيل.
ذاك يأتي وذاك يغادر،
والمكانُ سيّدُ الزمن.
ليتني لم أعرف العبث،
وبقيتُ في السماء بلا طعامٍ ولا شراب،
أعيش في الهواء مثل قوسٍ من ضياء.
تعالوا نتسامح،
فكلّنا مذنبٌ في فهم الوفاء،
وأشياءُ لا ندركها، ونحن نظنّ أن في الانتصار بهجةً،
وأن للشبع ثقوبًا يخرج منها ما نبتلع ولا نشبع.
لا شيء يفنيه العدم،
بل يرفعه العبثُ للفناء هدية،
فيلقى من يلقاه بلا ذكرٍ للضمير.
طاهر عرابي – دريسدن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .