اللقمة الأخيرة
طاهر عرابي – دريسدن
28.11.2024 | نُقّحت 03.10.2025
الموت له وجوه عديدة، لكن أخطرها ما لا يُرى: الجوع.
في غزّة، اللقمة تأتي مع الخوف، والنجاة تمرّ بالعطش والفزع.
هذه القصيدة محاولة لإعطاء اسمٍ لما يُبتلع بصمت،
ولما يختفي خلف صمت البيوت المهدّمة وأفواه الأطفال الصامتة: اللّقمة الأخيرة.
نداء للضمير، ورفض لما بعد الأخلاق،
صرخة تقف أمام الظلم، وتقرأ القسوة في تفاصيل الحياة والموت.
ويبقى السؤال: هل لدى البشرية أفق؟
أم أن لعنة الجشع والاستهتار أبشع مما نشهده…
وما نشهده هو مقتل اليوم التالي في عرس العبث.
اللقمة الأخيرة
1
لم نأكل بعد في غزّة،
مرّت أيّام وشهور،
ويطلع علينا وجع الجوع
مثل مرايا الصدقات في جوف الهزائم.
نحمله بوعاء من الكفّين،
ونبحث عن مكانٍ آمن، ولو تحت جذع زيتونة،
لنحشر في الأفواه سقم اللقمة،
فلا حياة تحت الجلد.
إذا وصل الجوع إلى الأطراف،
وانتزع الأظافر،
وتنبّهت الخلايا لتفضح الانتماء…
نصبر، ننظر، ونتعب.
ثم ينشطر اللسان:
نصفه مقهور،
ونصفه الآخر يلفظ اسم الانتماء،
فتتلقّفه الحيرة وتخرسه: فلا نداء ولا انتماء.
حُلمٌ يراودنا،
مكلّل بالخوف والخجل،
أن نصون الجسد فلا يتعرّى،
وألّا يصير الانتماء ورقة توت.
2
ولأوّل مرةٍ،
تخجلُ اللقمةُ من البشر،
تُعلن حِدادها كأنّها حجر.
الأبرياء وحدهم يفهمون الخجل،
يصونونه مثل ماءٍ في ساق الزنبق،
حين يحنو عليه الجذر،
ويهتف له النحل.
ونحن بشرٌ نحلم بزورقٍ بريّ،
نشده كحصنٍ من خوف،
نزرع فيه الخبز، ونطوف به
في بحر الظلمات،
يحمل الحياة بطرف ساريته،
ويذكّرهم:
في موت الجياع،
لا قداسة، ولا مغفرة،
ولا قشة تحميكم من الغرق.
كل شيءٍ يحاكي جوعَه،
بصمت التماثيل الحجريّة.
والفم يلوذ بالفرار،
ينسى الطعم،
حتى ينام الإعصار في الأحشاء،
ويتوهّج الغياب كحدّ سكين.
وتجد مشابهات اللقمة مكانها،
بطعمٍ أقلّ ملوحةً من الصبر،
وأشدّ حموضةً من اللوعة.
3
قالت أمٌّ لولدها، وصوتها يتهدّج،
كما لو يخرج من جرحٍ أضاع مكانه:
ما كان للشقاء عمرٌ ليُختصر،
ترثه الأجيال كأنّه قَدَر.
ذاك يلعق عناقيد السكر،
وذاك يغتسل صباحه بالتراب والكَدَر.
رأيت جنائن تُثقِلها كثرة الورد،
ورأيت وردًا يختنق بفقد العطر.
لو قُسِمَت الدنيا بما يرضي القلوب،
لأمست فضاءاتٌ فيها الروح توازي القمر.
4
لكن فم الأقوياء واسعٌ كطاولة الشيطان،
لا يشبع، ولا يعرف حدودًا.
وصارت غزّة جنازةً تُراقبها الأقمار الصناعية،
تُساق إلى محطّات القنابل،
لينفجر الغيظ في دهاليز
مُزَيّنة بشعاراتٍ حديدية،
تُعلن مواسمَ تدمير الأخلاق والفهم،
ذلك الذي كان يومًا
سيّد الكلمة.
“موتوا هناك!” قالوا،
وكتبوا على غلاف الموت:
“الموت صالحٌ، ولو جائعين، وبلا ألم.”
هل نختار اللقمة،
أم القنبلة،
أم الحيرة؟
نظلُّ جياعًا…
ونموتُ جياعًا.
ستلوذون بقبرٍ مكشوف،
يغطّيكم أرقٌ موحل.
أين الفضيحةُ أن تموتوا جوعًا،
وأنتم هباءٌ منسيّ؟
5
النجاة من ويلات الحرب في غزّة،
فرحٌ قتل نفسه بلغمٍ استأنس الخراب.
يرتعد فينا الأمل الآن،
وغدًا ستشرق الشمس
لتضيء الطريق إلى الموت —
هذا كلُّ ما نملك.
صرنا نعلم:
لا خبز في حقلٍ مليءٍ بالألغام،
ولا لغم واحد يحمل في قلبه ذرّة شفقة.
تمر الملائكة في ثوبها الواسع،
تحمل أرواحنا،
وتترك أجسادنا مسنودة على مخلفات الطريق
شواهدَ لمن كان.
6
شاخ طفلٌ وهو يحبو،
ومات ولدٌ وهو يمضغ…
كعجوزٍ لم ترَ في الخبز سوى خدمةٍ لعبث الأيام.
صارت اللقمة عضواً من الجسد:
أشبه بالقلب،
وأقرب إلى اليد واللسان.
فماذا يأكل الجسد،
حين يذوب الخبز في صدى النداء؟
تركونا،
كأن الأخبار انهيار سقوف تحت ضربات المطر.
لا شيء سوى أن نقول لأنفسنا:
انتظروا…
الحوار مع آخر القنابل لم
ينتهِ.
ربما تكونون أنتم الانفجار،
وحينها…
يحترق الفتيل،
وتختفي الحدود بين الموت والحياة،
ويصبح الجوع أخيرًا
مضغةً في فم الحاقدين.
طاهر عرابي – دريسدن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .