ما خلف اللون
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
(دريسدن – كُتبت في 30.01.2025 | نُقّحت في 23.10.2025)
أحاول أن أمنح الأشياء ألوانها كما أراها، لا كما اعتادها الناس.
أبحث عن المعنى خلف الطيف؛ هل ما يخفيه قيمٌ أم ابتذال؟
رأيتُ في الصبر رمادًا يُجرّب بياضَه، وفي الحبّ نارًا تتبدّل بين الورد والقرميد،
وفي الصدق أخضرَ يفيض حتى يُغني الألوانَ عن أسمائها، ويلفّها بعطرِ الفصول.
كتبتُها وأنا أؤمن أن لكلّ خُلُقٍ لونًا، ولكلّ لونٍ ظلًّا،
وأننا في النهاية لا نبحث عن لونٍ جديد،
بل عن صفاءٍ نرى به ما خفي من الضوء.
“فلسفة اللون الأخير” ليست تأمّلًا في الجمال،
بل محاولةٌ لفهم الإنسان حين يصبح لوحةً من تناقضاته،
ثم يتخفّف منها حتى يبلغ صمتَ الضوءِ حين يكتمل…
ويبدأ كلُّ شيءٍ من جديد.
⸻
ما خلف اللون
تعالوا نمنحُ الأشياءَ ألوانًا،
لدينا من الوقتِ ما يكفي لفهمِ المرح.
القهوةُ حاسةٌ تبحثُ عن نكهتها،
والصمتُ يترنّحُ على ظلالِ العيون،
نخرجُ إلى البستانِ،
نرى الألوانَ تستعيدُ لغتَها القديمة.
الصبرُ رمادٌ يُجرِّبُ بياضَه،
إن صفا، صارَ نَسمةً في يدِ الفجر،
وإن تعكَّر، هبطَ على كتفي الليل.
فلا يزهرُ بنفسجًا،
ولا يلوّن رمادَه الحنين.
الحبُّ أحمرُ،
يتحوّلُ إمّا إلى زهريٍّ ناضج،
أو قرميديٍّ عتيق،
وفي الحالَين،
يبقى تحفةً من تحفِ الحياة.
الصدقُ أخضرٌ فاتح،
برعمُ وردٍ يتفتّحُ،
ويسكبُ شذاه على كلّ الألوان،
حتى تكادُ تُغنيها عن أسمائها.
الكذبُ أسودُ،
يمزّقُ شعاعَ الشمس،
ويُطفئُ الشموعَ قبل أن تشتهي ضوءَها.
فالطبيعةُ لا تكذب،
ولو كذبت،
لتصدّعتِ الجبال،
وطردَ البحرُ شطآنَه،
وصارت الأرواحُ تتلوّى… ممسوسة.
النفاقُ ذهبٌ يلمعُ في فمِ النار،
يُولدُ من بركانٍ يضحك،
ويزحفُ على الماءِ طُحلبًا
يمدُّ ظلَّه فوق الحقيقة.
لا يُشبهُ النهاية،
لكنّهُ يجرُّها من عنقها… إلى البدايات.
الثقةُ برتقاليٌّ ناضج،
تضاعفُ قوتَك،
وتفتحُ الطريقَ كأنك تعرفه من قبل،
فلا تلتفتْ… فالظلُّ لا يقود.
التصالحُ شفافٌ،
لا يُرى،
لكنّهُ يكشفُ قدرتَك على الحب،
وعلى أن تسامحَ نفسك.
كلُّ لونٍ يخفي ظلَّه،
إلا الأبيض…
يفضحُ النورَ حين يسكبُه على العيون.
وفي رحلةِ الألوان،
بحثتُ عن لونٍ يحتويني…
سألتُ الأخطبوط:
أيَّ الألوانِ تعشق؟
قال: اللونُ الذي لا يبكي،
لا يشكو، لا يصرخ،
لا يذوبُ في حزنه عندَ الشدائد،
بل يبقى أبيضَ… ينتظرُ من يسكبهُ لونًا،
يدعو الأعمى لرؤيته.
ارسمْ خُطاكَ على الأرضِ… لتبقى،
فليسَ للّونِ الأخيرِ لونٌ،
بل هو صمتُ الضوءِ حينَ يكتمل عمره،
ويدخلُ حيثُ لا يدخلُ الزمنُ المفقود.
هناك… يبدأ كلُّ شيءٍ من جديد،
ول
ونُك، هو السيّدُ الوحيد،
كَلِمْهُ بشفافيةِ السماءِ… لترقَ فوقَ الألوان.
طاهر عرابي – دريسدن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .