„ليس كلّ شيءٍ لنا“
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – كُتبت في 05.08.2016| نُقّحت في 27.10.2025
كتبتُ هذه القصيدة لا لأرثي الحاضر، بل لأُسائل المعاني التي تآكلت فينا: الوفاء، الانتماء، الصدق، والولاء.
حين تصبح الحياة عبئًا، وتُطلب منّا الطاعة بلا أسئلة،
يقدّم العالم وجهًا يُغري بالتنازل، ويكافئ القطيع، ويشكّك في كل معنى نقي.
فهل نقاوم؟ أم نبقى مشدوهين، نفرّ مثل قطيعٍ أُربك بالهجوم،
كلّ اتجاهٍ مخبأ، وكلّ مخبأ وطن.
لم أكتب لأُجيب، بل لأطرح السؤال:
هل ما نعيشه يستحقّ الحياة؟ وهل بقي فينا ما نثق به أو نبتسم لأجله؟
أؤمن أنّ الشعر ليس وصفًا، بل تفكيرٌ في الوجود،
ومنفذٌ للتأمل حتى وسط الركام.
كتبتها لأقول ببساطة:
ليس كلّ شيءٍ لنا… وربما لا شيء.
⸻
ليس كلّ شيءٍ لنا
سنفرح بقدر ما تسمح به الظروف،
ملاكُ الحياة منشغلون في طمس الأمل،
وقتلِ البهجة في مدن الويلات.
تفاحةٌ قُسِّمت بين الشياطين،
ابتلعتها القرود ونحن غائبون،
وتركت لنا قشرةً صفراءَ تنقلها الرياح،
يفرّ منها النمل، تُذكّرنا بغيابنا… أو بالصمم.
افتقدنا البقاء، ولوَّنا النهار بلونِ الحيرة،
وألغينا الوفاق مع الزمن،
صرنا خارجه، قبيلةً وطائفةً وعائلةً
تمتدّ جذورها قبل جمع الحطب
ونسج الخيام.
ولنا فصولٌ كثيرة:
جفاف، ونوم، وفصلُ اللامبالاة الطويل.
كان الجميع يتأنّق بأسراره الفارغة،
يفتح دفتره ويكتب:
“بعد شهرين سنتقدّم… سنصير أكبر.”
لكن حين ضاق الحلمُ بالدفاتر،
كان طحينُ الخبز هويةَ النهاية.
وصلنا وأكلناه عن عمد،
ونحن نتفرّج على وجوهنا تتلوّى من غيظ البلاهة.
مرّت السنين
كأنّنا لم نرَ شتاءً يليه صيف،
غارقين في منافي الخوف،
ألغينا فصولنا خوفًا من انهيار الأرض تحت أسِرّتنا،
وصِرنا نجرؤ فقط على الهرب،
من رصيفٍ إلى رصيف،
مثل بقايا قشّ القمح تجمعها العواصف،
حتى قشرةُ التفاحِ الصفراءُ أنكرتنا.
من نحن في هذا الزمان؟
الكلُّ كذّاب،
أو يستمتع بغياب الصدق،
ينتظر لحظةَ التوحّش،
يصنع الظلامَ أو يسرق المصابيح،
ثم يقول:
“كنتُ في العتمة أبحث عنكم،
فوجدتُ الحنينَ منشورًا كغسيلٍ لا يجف،
فكيف نلبس الماءَ ونستقبل الودادَ عطشى؟”
هل تروني كما أراكم،
أم أنّنا نغوص في الضباب،
مشدوهين بفرحِ الغياب؟
تركنا أحلامنا أوتادًا لربط الرياح،
وتباهينا بالرايات،
ونفاقٌ يهزّ الشرايين
بقوّةٍ تمحو منازلَ القمر،
ولا نخجل من الدمار
في الطريق الأوّل نحو الدار.
نحتفل بميلاد طفلٍ في الليل،
نرسم له الحياة، نُقبّله،
ثم يُقتل في أول النهار
بشظيّةٍ من عدوٍّ لم نحدّده بعد.
نصرخ: “كيف؟!”
وقد عرفوا أن المولودَ كان صبورًا،
ينتظر معنا أول عيدٍ خسرناه،
ولم يتعلّم منّا البقاء.
نستحلي كلماتِنا همسًا،
فلا بدّ من الكلام،
هو خجلُنا الوحيد،
وما نملكه أحياءً مشرّدين، مقهورين،
نتتبّع الوهم، ولا نصلح لشيء،
حتى الدوران حول أجسادنا
صار عبئًا على الأرض.
صرنا نسمّي الوفاءَ مديحًا
لا يستحقّه أحد،
ليس غرورًا، بل غباءً رخيصًا،
ولا نملك ابتسامةً تنافس زقزقة الطيور،
ولا القوّةَ لنقول ما يشفي الضمائر.
كلُّنا خاسرون،
استنفدنا الهواء،
وما زلنا نتنفّس الغيمَ الراحل،
نهديه للذين يزرعون القمح،
فيصير طحينُنا وعدًا مؤجّلًا،
حتى صار مطرُنا وحلًا،
على الرغيفِ وعلى المقل،
إن فشلنا… وفشل الأمل.
حتى لو أحاطت بنا أعلامُ الدول
مرفرفةً كمسبحةِ العفاريت،
نحن غرباء، نُذبح ونُقتل،
وتسبيحُنا لله معجزة،
لأنّنا خرجنا من الحبِّ البشري،
وضِعنا في كراهيةٍ
جعلتنا أتباعًا ومنافقين.
نعلم أنّ لنا مناقبَ ومخالب،
صرنا مثل الدجاج:
ننتج بيضَ الولاء،
ونغيب في البحث عن الطعم المبتذل.
الولاءُ صار ثمنًا،
والحياةُ عبئًا… حتى على الطحين.
هل يؤمن الغوغائيُّ بصفاءِ الكلمات؟
من لا يملكها لأبيه وجاره وأخيه،
ولنفسه… فقد كذب.
ما نملكه يُخزينا أكثر من أن نكون أحياء،
نتبادل الاتهاماتِ حول الصدقِ والأمانةِ والوفاء،
ونحن نعلم أننا لسنا أبرياء.
وربما، بعد كلّ هذا الرماد،
ما زال فينا نبضٌ يسأل النور،
لنكون في فضاءٍ لن نبلغه،
لتسلم منّا الحياةُ… ونسلم.
طاهر عرابي – دريسدن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .