صمت الرحيل
يمتدّ الصمتُ كأرضٍ بلا حدود،
لا تنبت فيها سوى الأسئلة،
ولا يمرّ بها سوى طيفٍ مجهول
يجرّ خلفه ظلَّ الذين مضوا.
أجلسُ على حافة الذاكرة،
أحصي الوجوه التي غابت،
أستعيد أصواتاً
كانت تملأ المكان دفئاً،
فأجدها الآن حروفاً مبتورة
تتعثر في حنجرتي.
الرحيل...
ليس مجرد خطواتٍ بعيدة،
إنه انكسارٌ في جدار الروح،
إنه نهرٌ جفَّ فجأة
فتشققت ضفافه في الداخل.
أيُّ ليلٍ هذا الذي يجيء بعدهم؟
ليلٌ يزداد عتمةً كلما حاولنا إشعال قنديل،
ليلٌ لا يسكنه سوى رجع الصدى،
كأننا نصغي إلى موتٍ بطيء
يسير على أطراف أصابعنا.
أكتبهم كي لا يذوبوا،
أستدعي ملامحهم كي لا أضيع،
أزرع أسماءهم في الورق
كما تُزرع البذور في ترابٍ عطش،
علّ الكلمة تصير حياةً أخرى،
علّ النصّ يعيدهم لحظةً
فنصير أقلّ وحدةً.
لكنّ صمت الرحيل
لا يترك لنا إلا حكمةً جارحة:
أننا جميعاً عابرون،
نحمل حقائب من أحلامٍ مؤجلة،
ونغادر بلا موعد،
كما لو كنّا لم نكن.
ورغم ذلك...
يبقى فينا الإصرار
أن نحيا كما لو كانوا معنا،
أن نفتح النوافذ للشمس،
أن نقول للحزن:
لن تكون النهاية،
فالصمتُ مهما طال
سينكسر ذات يومٍ
حين نلتقي من جديد
في نصٍّ آخر،
أو في حياةٍ أخرى
أوسع من هذا الغياب.
الخاتمة الرمزية:
ربما لا يكون الرحيل موتاً،
بل تحوّلاً خفياً نحو ضوءٍ آخر،
حيث تصير الأرواح طيوراً
تعبر فضاءاتٍ لا نراها،
وحيث يذوب الصمت في أغنية
تعلّمنا أن النهاية
ليست سوى بدايةٍ مجهولة
في سفرٍ لا ينتهي.
توقيع عبد الله سعدي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .