مراثي الغياب
في زمن تُسلب فيه القيم ويذوب الأمل، تتحول الحياة إلى مشهد من الحنين والغياب، حيث يختلط الدمار بالرحمة، والعنف بالبراءة. لكلّ صورة من الألم صدى، ولكلّ ظلّ من الظلم صرخة، تفضح هشاشة الإنسان أمام قدره. في هذه القصيدة، أحاول أن أرسم خريطة الروح الفلسطينية الممزقة بين ما كان وما سيأتي، وأن أترك للقارئ أن يشعر بالغياب، لكن أيضًا بالصفاء الذي يولد من الصمود.
⸻
مراثي الغياب
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – 12.06.2024 | نُقّحت 29.09.2025
لسنا أوفياءَ لشيءٍ أعظمَ من الوطن،
فليفهمْ من لا يؤمنُ بالقيم،
أنَّ العالمَ تفاحةٌ، وفلسطينُ شجرتها،
هي المأوى والمورد،
ورحلةُ الوجودِ إلى قلبِه، ولو تكوّمتِ المحن،
وصار العمرُ نقلةً بين فخٍّ من أسوارٍ وحجارة،
وبين فراغٍ يأوي هواءً لا يتنفسُ نفسَه ويختنق.
سنكون وطنًا يرضعُ الغيمةَ ويبقيها
رمزًا للعطاء الذي لا يَنضُب،
ويمنحُ الهواءَ سكينتَه الأولى،
ويدلّله بخفّةِ النرجس،
فيهتزُّ الوفاءُ عطرًا لا يزول.
فلا تقتحموا قداسة ما نملك بوقاحة،
ولا تشعلوا نار الفتنة بين القلم والدفتر،
ولا تبنوا حصونًا على أجساد الشياطين.
الشواطئ قداسة الأمواج،
وصخب الموج نداءٌ لا ينتهي،
ينبه العابثين ويحذر من رياح الغرق.
لا صيف يملك شمسه،
ولا الشمس ملكٌ لأحد،
مرجان السماء حطّه البحر، وانتظر.
كفى أن نبتعدَ عن هذا الكوكب، كمرتزقةِ المرح،
ونغرقَ في اللامبالاة،
مثلَ أشباحٍ فقدت طَعمَ العنبِ الذي تذوّقه الفراعنة،
ونسيتْ كيف ينبتُ الشجر،
وكيف يحمل البحرُ روحًا تُنهكها قواربُ المُرفَّهين،
وهم يعبثون برقّتِه وصفاءِ زُرقته الأزلية،
ويُحزِنها بهجةُ المتسلّطين على الفرح.
عرّفونا على الإنسان،
الذي يُقتل ويُشرَّد،
ويضيع حقّه في زمنٍ أخرسه جموحُ الأنانية.
هل سقط الفلسطيني من جيوبكم؟
لماذا سرقتم وسادته،
وغرستم فيها أحلام الرماد؟
الفلسطيني يسأل،
وكلُّ من أحبّ الحياة يعيش دربَه على أرصفة الوفاء.
يبدأ النفاق حين تُغمَض الأعين،
وتصمت الآذان،
ويصير الإنسان سيّدًا على جرح الإنسان.
لا رِقّةَ في نهرٍ يجري إذا فقدتْ الأسماكُ حياءَها،
ولا وردَ يقوى على التفتّح إن هانت كرامةُ الأرض.
عطرُ الضحايا رمادٌ يَخِزُ وجوهَ الظالمين.
نعيش بوقاحةِ الضباع،
ليضيع الجسد بين فكيها بلا مخرج،
ولا يبقى ما يدلّ على الوجع.
من يُشرّد نفسَه ليشاركنا الألم؟
تعالوا… لنتكلّم.
لقد شيطنّا الشيطان،
وألبسناه قميصًا أبيض، ولقّنّاه حيلةَ الغاب،
علّمناه الكلام الفوقي، وصفّقنا له قبل أن يصفّق.
رافقناه بين النوايا والشفاه،
خلفنا الخديعة… وأمامنا الضحية.
تعالوا نمزّق الماضي المرهق بالكذب،
ولنبدأ من الأمس.
نصير أشرعةً لزورقٍ يبحر في عتمة العقل،
لا نور في المستنقع، وإن طغى عليه لوتس الورق؛
النور في القلب،
والشعاعُ أنتَ حين تخترق الظلال.
لن نذوب، لا كشمعٍ ولا ضباب،
والخيامُ قصورٌ تؤوي قهرَ الكرامة،
ولن نُختزلَ إلى حبرٍ على ورق.
مَن يقرأ حروفًا مسروقةً على صفيحٍ من لهب،
يكوي لسانَه… ويبتلع جُحرَ الأفعى.
ما أنقى الصفاءَ على وجهِ الحق،
والحقُّ اقترب.
كفى إجحافًا وقتلاً،
وصمتًا أعقبَه قنبلة،
وقبرًا مفتوحًا، وشريدًا تمزّقه الغربة.
تتعذّبُ الأسماكُ من براكينِ الأعماق،
وتعتادُ وجهَ الماء،
والطيورُ تهاجرُ بفرحِ العودةِ إلى نكهةِ الأغصان،
ويتعذّبُ الإنسانُ من الإنسان.
يا نهارًا تضيءُ الوجود،
اقترب… وتجاوز كلَّ الحدود،
وسمِّني الفلسطينيَّ العائد،
بيني وبين الخطوةِ فلسطين،
فلترتفعْ… لنرقى في هذا الوجود.
طاهر عرابي – دريسدن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .