الجمعة، 26 سبتمبر 2025

أجنحة الطين بقلم الراقي طاهر عرابي

 "أجنحة الطين"


في هذه القصيدة، أفتح دفاتر المنفى والذاكرة، بلغة تمزج بين النشيد والمساءلة، بين الفقد والمقاومة.

ليست مجرد رثاء لوطن غائب، بل شهادة على وعي مستمر، يتحرك فينا كنَبْضٍ لا يهدأ، وسط عالم يسوّق النصر كسلعة ويكافئ الخذلان بأوسمة.

إنها صرخة لاجئ من زمن آخر، ومنفى لا ينتهي، رحلة الإنسان بين الصبر والقهر، بين الغياب والرجوع، بين الطين والسماء.

كل بيت هنا يرسم قوس عبور نحو فلسطين… ولو من طرف الألم، ويعيد ترتيب القهر والرجاء، ليولد الصبر في النهاية، ويزهر الغفران.



أجنحة الطين


قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي

دريسدن- 15.07.2021 | نُقّحت 27.09.2025


سنضمُّ هذا الموتَ إلينا،

كيفما تنفّس عند وجوهنا الهادرة،

بلا رهبةٍ من المقابر.


الجرسُ يقرع منذ الطفولة،

يقول: اعبر…

ولا تتمدّد في فناءٍ مؤجَّر،

لم تتغير سوى عقارب الساعات

ومواكب تلوك الفجيعة مع السكر.


هرب المتطفّلون على النصر،

كرةٌ تدحرج وتدخل شباك مثقوب،

وبقينا نُمهّد للأرض،

نسوي نعاود ترتيب القهر

لرجعةَ التاريخ،

سطراً يحفره السطر.


من يُخيفُنا مات بالكذب،

وانتحر بجرعة أحقاد،

ولفّه كفنُ الرحيل،

ساريةٌ سوداء غرقت في البحر،

بلعتها الحيتان وانتهت قبل طلوع الفجر.


كلّ الأسماءِ كانت دليلاً على النشيد،

أوصلتنا إلى نصف الطريق،

ولا رجعةَ قبل الوصول،

منحنى وعر، تلالُ خنادقُ ألغامٍ تبحث عن أقدام،

وشباك نصفها جدران.


لا نحبّ المتخلّفين عن المسير،

ولو تعفّروا بالتراب،

مسحوقين تحت الشوك،

وتحت أقدامِ سحالي البرّ.


ماضون… أولنا ولد بالأمس، وآخرنا وصل،

لا شيء يُضيّق الخُطا.

ولو طار الدرب إلى السماء،

سنحلّق خلفه، بأجنحة الطين،

وطيورٍ تشبه الرعد.


عشت لاجئًا أرنو للرجوع،

حتى صارت رحلتي إلى القمر،

أهون من العودة إلى ذاتي الغريبة.

نصفي يترنح تحت حبات الزيتون،

وعروقي ترى اليرموك يعد بهجة الضفاف.


كُتبت علينا الرحلات،

وجوازاتٌ لا تُشبهنا.

أُدوّر الكون بجسدي،

وبقعة ميلاد أمي تسري في عروقي.

لو زرعت بها شجرة، لصرت غصنًا

يحاور الأرض،

صبحًا ومساءً مثل قبة السماء.


حتى قبور المنافي تدمع،

لأن الجسد من كحل الزيتون،

والعظم إن ذاب صار حجرًا.


من ينصر المظلوم؟

إذا تخلّت عنه مساحيق الوجوه،

وتركته حنطيًا يصارع الألوان.

والشوارع مليئة بالنداءات،

والنصر يُباع بلا معركة،

والأوسمة على الأكتاف وشمُ نهايةٍ لم تبدأ،

وقلائدٌ لأطفالٍ الرُضّع توازي نجوم القُبّة.


هتفت:

يا سواقي المروءة، يا تاريخ أعطاني اسمًا ولونًا

وبعض الحواس العُظمى، لكنهم لا يردون.

والعرق والدم يتكسّر،

وصوت الجرس خافت…

مثل اسمٍ منسيّ في قبرٍ هجره الجثمان،

ولاذ بالصمت.


جيوشٌ تنتصر بكثرة الهزائم،

والفجر يخجل من الفلق.

يستحي الماء إرهاق غيمه،

وهم لا يستحون من فتق الخلق.

رحلتي بداية الشأن، أوله أنا، وآخره أنا،

وعلى كتفي يترنّح الأفق.

صبري على ولادة الغريق،

وصبري على نهاية الطريق.


وبهجتي في الوصول إلى وردة نبتت من جفاف الندى،

ولم تجد رحيقًا غير رائحة الأرض، وهي طيبة المذاق.


وها أنا…

أقف على حافة الرحلة،

إلى الطين، إلى الحجر، إلى السماء…

إلى صوت الجرس الأخير،

حيث يولد الصبر، ويزهر الغفران.


طاهر عرابي – دريسدن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .