الجمعة، 26 سبتمبر 2025

عندما تتولى الأمر بقلم الراقي سيد حميد

 عِنْدَما تَتَوَلّى الأَمْر

بقلم: سَيِّد حَميد عَطَا الله الجَزائري


إِنَّها طاغِيَةٌ عاطِفِيَّةٌ لا تَعرِفُ الرِّفْقَ وَلا الرَّأفَةَ، تَكتُبُ قَوانينَها عَلى أَوراقٍ مُشْتَعِلَةٍ، ثُمَّ تَفرِضُ عَلى العاشِقِ أَنْ يَقرَأَها قَبلَ أَنْ تَنطَفِئَ النِّيرانُ، فَإِنْ عَجَزَ عَن حِفظِها حَكَمَتْ عَلَيهِ بِالنَّفيِ مِن قَلبِها إِلى صَحراءِ الوَحْدَةِ، مَعَ الأَشْغالِ الشَّاقَّةِ في مَناجِمِ القَصائِدِ.


كُلَّما مَرَّ عاشِقٌ أَمامَ عَرشِها، قَلَبَتْ أَوراقَ مِلَفِّهِ كَما يُقَلِّبُ الطُّهاةُ لَحْماً عَلى الجَمْرِ، تَتَلَذَّذُ بِرائِحَةِ اِحتِراقِهِ، وَتَبتَسِمُ اِبتِسامَةً بارِدَةً كَأَنَّها تُوَقِّعُ عَلى وَثيقَةِ إِعدامِهِ.

لا تُصغي إِلى صَرخاتِهِ، فَهِيَ تَعتَقِدُ أَنَّ دُموعَ الرِّجالِ وُقودٌ لِعَرشِها، وَأَنَّ اِنكِسارَهُم زينَةٌ لِمَملَكَتِها. وَالمُفارَقَةُ الكُبرى أَنَّ عَرشَها مَصنوعٌ مِن أَفخَرِ أَنوَاعِ القَصائِدِ في الأَدَبِ، وَحَتّى تاجُها فَهُوَ قَصيدَةٌ ثَمنُها أَلفُ نَظرَةٍ ثَمِينَةٍ.


وَحينَ تَستَمِعُ إِلى قَصيدَةٍ لا تُعجِبُها تَنهالُ عَلَيها بِالمِطرَقَةِ، فَتُحَوِّلُها إِلى نَثرٍ أَو خَاطِرَةٍ دُونَ مَعنى، دُونَ أَثَر، دُونَ "بِقَلَمي".


حَتّى الهَواءُ في قاعَةِ مَحكَمَتِها خاضِعٌ لِسُلطَتِها، يَلهَثُ مَعَ أَنفاسِها وَيَبرُدُ حِينَ تَغضَبُ.

وَالكَراسِي مَصْفوفَةٌ كَأَنَّها جُنودٌ يَنتَظِرونَ أَمرَها بِالـتَّحَرُّكِ، أَمّا الجُدرانُ فَتُسَجِّلُ بِصَمتٍ كُلَّ حُكمٍ أَصدَرَتْهُ، كَي لا يَجْرُؤَ أَحَدٌ عَلى الطَّعْنِ أَوِ الاِستِئنافِ.


هِيَ وَحدَها التَّشريعُ، وَهِيَ وَحدَها القاضِي، وَهِيَ وَحدَها الجَلّادُ.

تُمارِسُ الحُكمَ كَما يُمارِسُ لاعِبُ الشَّطرَنجِ لُعبَةً يَعرِفُ نَتيجَتَها مُنذُ أَوَّلِ نَقلَةٍ: المُلُوكُ مَوتى قَبلَ أَنْ تَتَحَرَّكَ البَيادِقُ، وَالأَعشاشُ خاوِيَةٌ قَبلَ أَنْ يَطيرَ العُصْفورُ.


وَحَتّى "هَيأَةُ المُحَلَّفاتِ" عِندَها لا يَحكُمْنَ فَحَسْب، بَل يَكتُبنَ قَصائِدَ لاذِعَةً، تُصَوِّرُ العاشِقينَ كَأَنَّهُم مُهَرِّجونَ في سِيركٍ لا يَرتادُهُ إِلّا الصِّبْيَةُ.


هَكَذا، لَم يَبقَ مِنَ الحُبِّ في عَهدِها إِلّا أَشلاءُ قَصائِدَ مُبتورَةٍ، وَعُشّاقٌ مَشنوقونَ عَلى أَبوابِ ذاكِرَتِها، وَقَوانينُ مُعَلَّقَةٌ عَلى حِيطانٍ لا يَقرَؤُها أَحَدٌ.

إِنَّها لَم تَبنِ مَملَكَةً لِلحُبِّ، بَل مَسرَحاً ساخِراً لِلجَلّادينَ، حَيثُ يَكونُ العِشْقُ تُهمَةً، وَالوَفاءُ جَريمَةً، وَالاِنتِماءُ إِلَيها… حُكماً مُؤَبَّداً لا عَفوَ فيه.


وَفي نِهايَةِ كُلِّ جَلسَةٍ، وَبَعدَ أَنْ تَتعَبَ مِن رَفعِ المِطرَقَةِ وَإِلقاءِ الأَحكامِ، تَعودُ إِلى عَرشِها، تَنظُرُ حَولَها فَلا تَجِدُ سِوى صَدى صَوتِها، وَلا جُمهورٌ يُصَفِّقُ، وَلا عاشِقٌ يَستَعطِفُ، وَلا مُحَلَّفاتٌ يَحلِفنَ كَالأَخطلِ.

حِينَها تُدرِكُ ـ وَلَو لَحظَةً ـ أَنَّ مَحكَمَةَ الحُبِّ الَّتي نَصَّبَت نَفسَها عَلَيها قاضِيَةً وَجَلّادَةً وَأَميرَةً… لَم يَبقَ فيها إِلّا قاضِيَةٌ تُحاكِمُ الفَراغَ، وَجَلّادَةٌ تُعْدِمُ الهَواءَ، وَأَميرَةٌ بِلا مَملَكَةٍ سِوى مِرآَتِها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .