الجمعة، 26 سبتمبر 2025

حصاد الساعة بقلم الراقي طاهر عرابي

 "حصاد الساعة"


في زمنٍ تتقاطع فيه القيم مع المصالح، وتختلط فيه الحقيقة بالكذب حتى يصعب التمييز، تأتي قصيدة “حصاد الساعة” لتغوص في عمق هذه المفارقات.

بين الحوت الأزرق والتنين، وبين المنبر والكلمات، تتأمل القصيدة مآلات الإنسان المرهق في عالمٍ تخلّى عن البوصلة.

هذه ليست مجرد قصيدة احتجاج، بل نشيدٌ وجودي يتساءل: من نكون وسط هذا الشتاء القاسي؟

وتفتح نافذة للوعي، وتنسج من الخديعة مرآة، ومن الألم شرفات تُطل على الاحتمال الأخير للحقيقة.



حصاد الساعة 


قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي

دريسدن-18.07.2024 | نُقّحت 26.09.2025


1


أُغلِقَ شُبّاكُ التذاكرِ في حفلٍ

أقامه الصامتُ المجهولُ،

ذاكَ السَّيِّدُ المشرَّدُ والمظلُومُ،

صاحبُ الصبرِ الممتدِّ من المهدِ إلى اللحدِ،

المطالبُ بالصمتِ قبلَ وبعدَ الموت.


أرادهُ احتفالًا بالإنسانيةِ، للذِّكرى،

من فيضِ ما لم يُستهلكْ من سعادةٍ،

سعادةُ النداءِ الأخيرِ،

قبلَ أن تُوسَمَ الأرضُ بقشورِ الرمادِ.


جاءَ المظلُومُ يحملُ كتابَهُ الأسودَ،

ويمسِكُ بعنقِ طيرِ العنقاءِ،

تركَ غصنَ الزيتونِ لاحتفالٍ يقيمُهُ هو

في جوفِ السعادةِ في وطنٍ مزقوه،

على أطرافِ البحارِ تركوه يحصي رملاً غريبًا.


2


تبدّلتِ الكلماتُ والكراسيِ،

وصعدَ الكذبُ إلى المنبرِ،

وطلبَ الكشفَ عن القيم:

أين وُلدتِ الأخلاقُ؟

وأين تَعيشُ كرامةُ المستضعفينَ؟


لستُ مجنونًا، وأكتوي بالنوايا الساقطةِ،

بريءٌ أتعثَّرُ في الأفواهِ، مقتولٌ على اللسانِ،

مهزومٌ، بلا قوسٍ أو محيطٍ يَتَّسعُ شَكواي.


لم يُصفّقْ للكذبِ أحدٌ،

صرخَ مستنكرًا: خسرنا الأقلامَ والدفاترَ،

وتزوّجنا البلاهةَ والصورَ،

ولا ندري من نحنُ في شتاءٍ عاصفٍ،

نتحسّسُ بردَهُ، نفكّر بإشعال الحطب.


تدخلتُ في كلِّ المجالاتِ قسرًا،

وكأني غايةٌ في أبشعِ أشكالِ الوسيلةِ،

وربما… سأبقى أتألمُ ملكًا للألمِ،

أُقسّمه على الضحايا حتى يدخلوا جوفًا بلا مخرج.


3


قالت الحقيقة:

«بِمَن تليقُ الإنسانية؟

إن كنا نبدّل المصيبةَ بمصيبة،

ونلبسها ثوبًا لا يستر قشه تحت بطن عصفور.

حين نرى أن للموتِ قيمًا أخرى

في ميزانِ الإنسانية،

يختلف الموتُ من بقعةٍ إلى أخرى،

والطفلُ واحدٌ، والأمُّ واحدة،

في قلبها من الحب ما يكفي لِقلبِ النجومِ على كفّيها.


نقهرها ونلوذُ بالأئمةِ

لِحرقِ ما تبقّى لها من عيونٍ.

ما أروعَ العنكبوتَ حين يبتلع بيته ليشبع،

ونحن نبتلع الشبع ونبحث عن فمٍ أكبر.

أنا حقيقةٌ خجولةٌ، منَهارةٌ، مُتَسَوِّسَةُ الأقدام،

لا شيء يُمتِعُني، وأنا ضريحُ الأخلاق.»


فيلسوفٌ نحيلٌ قابعٌ تحت الطاولة،

دعاه المظلومُ وخشيَ أن يهرب الكذبُ:

«صرنا نطالبُ العندليبَ بأن يدلّنا

على جمالِ الشرفات، وقداسةِ الكلماتِ في الشارع.

ما أوقحَنا أن نطلبَ العونَ لنغفو مكرّمين.

نترقّبُ شيئًا يُغيّرنا ونحنُ مستعدّون.

إذا كان الكذبُ يُبشّر بعدمِ الفناء،

انظروا إليّ، واختروا مواقعكم الجميلة:

على عتباتِ القداسة لا ترقد الحرية،

وعلى عتباتِ الحرية تحيى القداسة.»


4


قال الحوتُ الأزرقُ، شعارهُ: «افترس أو تُفترس، وللشبع ناقوسٌ يقرع».

«كيف يعيش الكبيرُ مع الصغير، إن لم يكن للرحمةِ وجودٌ في العينين؟»


يتواطأ الجميع بلا محبة،

غرباء هم كيفما نشاء،

اخترعوا التنينَ القاسي الذي يلفظ النار،

ويشعرنا أن السيادةَ للقوي.


احتارَ بكم وأنا تحت الماء، وأنتم تحرقون الأرض،

إلى أين ستفرون؟

حتى الأصدافُ لن تقبل بشهواتكم.


القوةُ سلطان،

والجرأةُ بالكذبِ مقياسٌ لتثبيتِ الحقيقةِ المكتسبة بالكذب.

لكن الخديعةَ تلتفُّ بثوبٍ أبيضَ وشعرٍ رَطْب،

تتركُ المظلومَ في وادي بلا قاع،

يتحمّل قسوةَ الهلاك.


5


تدخّلتُ، وقاطعتُ الجميع، أنا الوحيدُ:

«لا تُسامحوني إن ظننتُ أنني أحقُّ منكم في الحياة،

وأتقدّمُ خطوةً تُؤخّركم عني.

فلا وجودَ لوردةٍ نصفُها حجر،

ولا لفراشةٍ تُشبه عنكبوتًا يطيرُ في خيط.

ولا يلتقي الأسودُ والأبيض إلّا في لون الرماد.»


صرختُ:

«يا حوت، ليتكَ تحملني إلى جزيرةِ البهجة،

وتتركني هناكَ أتألّم بين الأصداف.

حتّى الألمُ صار عارًا علينا، وفي وضحِ النهار.»


لدينا مشكلةٌ، أيها الحوت:

«كيف نحبُّ الكذب ونعيش مع الحقيقة؟

بلادٌ تنهار مثلَ أكواخِ القش،

تتصارعُ في شوارعها حول يقظةٍ تأخّرت على الشُّبّاك.»


والحوتُ الأزرق يصرخ:

«لا يقظةَ في فمِ الجشع،

ولا حسابَ للقوةِ في فمِ التنين.

تخلّصوا من الخديعة، فهي أشد ايلاما من الكذب،

كن وفياً، لتشعر أن على الأرض جمال.»


طاهر عرابي – دريسدن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .