"هجرة بلا حقيبة"
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – كُتبت في 01.02.2025 | نُقِّحت في 16.12.2025
نفتقدُ ما نحبّ، ومن نحبّ،
فالفراغُ وحدهُ سيّدُ المكان،
لا في الكهوفِ،
ولا في السجون،
ولا في عتمةِ الغيوم،
في تلك الرؤيا التي تُسقِطُ الفطنةَ في العدم،
وتحوِّلُ القُربَ إلى بُعدٍ
لا يحتملُ تعريفَ المسافات.
راحلون جنبًا إلى جنب،
وكأننا ننزلقُ في دهاليز
أشبهَ بأنابيبَ من زجاج،
والحقيبةُ تسكنُ خزانةَ الجسد،
فنهاجرُ بها مُكرهين،
كأنَّ البحثَ
أقوى من الغياب،
والغيابُ بحثٌ لا ينتهي.
نتعجّبُ من هولِ القطيعة،
ومن صبرِ المهاجرين
إلى زوايا الهروب.
ورعشةُ الولادةِ
تعودُ في الرحيل،
تبشّرُنا بما يحيطُ بنا،
ونحنُ أنثى الوحدة،
لا نلدُ غيرَ لوعةِ الشوق.
لا أحدَ ينادي بأصواتِنا
في صوامعِ الموانئ،
ولا ننتمي لننظرَ معًا
إلى ما بعدَ الغد.
نتلحّفُ قبّةَ القميص،
ونغفو تحت قناديلِ الطرقات،
تُسلّينا الحشراتُ الطيّارة،
وكأنها تخشى الوحدةَ في الظلام،
وكأنها تلتهمُ الضوء
دون أن تشبع.
نتفحّصُ زوايا البيت،
فنطمئنُّ أنَّ حقائبَنا
تُجيدُ الانتظار،
كعرشٍ مهجورٍ
لساحرٍ سَحرَ نفسه
ويبحثُ عن كلمةٍ أضاعها…
هل كانت عودة؟
أم وصولًا؟
إنه العقابُ الأبديّ،
في البحث عن صدفة،
فيها لؤلؤةُ السعادة
وألوانٌ تشبه ألوانَ قوسِ القزح،
نحملها
ونعودُ منتصرين على الجميع،
نحنُ ملوكُ الفرادة.
أو إنه العقابُ الأبديّ،
مثل جذورِ سنديانٍ منسيّة،
مهيّأةٍ لرحيلٍ قادم، أو بقاءٍ
مؤجَّلٍ للرحيل،
لا يبدأُ بتوافقٍ مع الطريق،
ولا ينتهي في حوضِ ماء.
الأقدارُ تستقرّ
في جوفِ الحقائب،
لا تُبشّرُ بخير،
ولا تشبهُ
فرحةَ الوصول.
نحنُ البشر،
نشتركُ مع القطيعةِ والسفر
في الهواء، وفي السماء،
وفي الحروف،
لنبتسمَ
في وجهِ الكذب.
ونقول، نقلًا عن معتوه:
الحياةُ جميلة،
لكنها سجنٌ مفتوح،
نزيّنهُ بحقيبةٍ وطريقٍ
يؤدّي إلى عناقٍ مجهول،
ونحنُ في العراء،
طُلقاءُ مثل غيمةٍ
أشبهَ بقطنٍ من الحرير،
ولا يصلحُ لثوبِ السكينة.
هل هذا كلُّ ما نجده
في يوميّاتِ الحياة؟
أفتقدُ كلَّ الثوابت،
أتحرّكُ كجزيئات،
وفتنةٌ في النفس تتجمّع
بإرادةِ أرواحٍ انتهتْ صلاحيتُها
منذُ ولادةِ الضجر.
جاءَ مساءٌ آخر،
وما زالَ الناسُ
يجدونَ في النهارِ انتظارًا،
وفي البهجةِ رحيلًا…
كغبارٍ سرقَ الريحَ
ليتمتّعَ بالرحيل،
وليغادرَ فجيعتَهُ مع الزوبعة،
تحميه من السقوط.
صلّينا لجمالِ مرجانِ البحر،
فارتعدَ الشاطئ،
وقال البحر:
«وقاحةُ الغرباءِ فتنةٌ
بينَ مياهي والمدى،
كيفَ تمرحون؟»
والسجنُ في الصدر،
والروحُ زغبٌ عالقٌ
بينَ أنفاسِ الغياب.
قلنا:
دعوا البحرَ يُمسكُ بالشاطئ،
هو حقيبتُه، وحبيبتُه،
وخصرُهُ الأوّل،
منذَ سقوطِ المطر
على هذه الأرض.
تحسّرنا على الكلامِ الفارغ،
واعتذرنا للفتنةِ عن خطيئتها،
إنها قبلتْ بنا
ونحنُ في بلاهتنا.
سننامُ على مهل،
ونستيقظُ على مهل،
فلا أقوى، ولا أبهى، ولا أحلى
من الارتماءِ على صدرِ التراب.
لِمَ الرحيلُ
عن أمسياتِ السراب؟
والكلُّ عاجزٌ عن رؤيةِ الماء
في الغيوم.
دريسدن – طاهر عرابي