"وكأنهم قهر"
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – كُتبت في 27.05.2025 | نُقِّحت في 14.12.2025
⸻
1
هل لديك قسمٌ تشاركه همساتُ الروح،
أعظمُ من هذا الشقاء؟
تُولَدُ في مخيّم،
تحمل اسمًا أقربَ إلى فراغٍ مشرَّد،
تتحرك بقيدك النفسي
ويقتلونك حرقًا في لظى المخيّم،
ويشيّعونك هُبابَ فحم،
ينثرون صراخك على الغمام…
فهل تنجو العنقاءُ من فخّ اللئيم
إن جمع الرمادَ في قفص؟
دعوك لتنأى حتى عن جسدك،
وتهدم لهم جدران قلبك،
وتترك لهم شرايينَك مُعلّقة
مثل خيوطِ العنكبوت في مستنقع.
جدرانُ قلبِك الصلبةُ ما تبقّى لك،
ترفعُ فوقها أحمالَ الشقاء
ولا تنحني،
وتحملها ضد فتنتهم في خيانةِ البشر.
كيف لك أن تنأى عن جسدك،
وترحلُ في ترحالك،
ولا تسألُ إن كنتَ متّهمًا أنك شريد؟
وأنت تحبُّ البهجة،
ولا تستسلمُ لليأس…
وأنت لا تفكّر به،
تراه تحفّه لمن له تحفةٌ في كونٍ أَجحَف.
تلفّ،
وتنزلق في جرفٍ صخري
يئنّ مع صرير الحجارة.
كلهم أصدقاءُ لأنفسهم، وأنت صديقُ رؤيتك:
فتبارك في قوامك.
عنواني في البحث يغرق
يا ملكَ الفراغ، أين تجلس؟
ومن هم حُرّاسُك وحاشيتُك؟
كيف يتلذذون بعناقيد غبارك؟
يخترقك الضوءُ ولا تضيء،
وتخترقُ العتمةَ ولا تبحثُ عن مخرج.
2
ليتَ الألمَ عابرًا
قبل أن يدخل القلب،
والإرادةَ عنوانًا
لمن ضلّ الدرب،
والإنسانَ حنينًا،
والكفاحَ قسمًا
لا يلين في قسوة اللهب.
ليتك علمتَ
أن الهُبابَ مصيرُ الأبرياء؛
إن سكتوا على انتشار اللهب،
لأقسمتَ أن تكون سيّدًا،
ليصيروا بشرًا
يتذكّرون احتراق الأجيال
في لهيب المارقين،
من بيتٍ إلى بيت، ومن سلامٍ إلى معركةٍ،
نصفها في ثرائهم منك، ونصفها دمك.
هم وحدهم
الواقفون على جدارٍ من حجارةِ القنابل؛
سيلتهمون الحجر،
ويبصقون على من رفعه
احتضارًا للمرؤة.
غرباءُ عنّا، وخرجوا مثل حوتٍ أزرق
رأى في الأرض متعته
فالتهم الترابَ وجذورَ الزيتون.
3
خذوني إلى أرضٍ بيضاء،
فلسطينيةِ الهضاب والسهول،
لا تتّسع
إلا لريشةِ عصفورٍ، وقلبٍ متمرّدٍ على الجشع؛
فكلُّ ما حولنا… غبارٌ ينأى عن دخول الليل.
كم مرّةً اعتاد الطفلُ
أن يمشي في الغبار،
وهو يحلمُ بمطرٍ
لا يسقط على الدموع
يا سيّدَ الثراء،
هل في جوعي ثراؤك؟
ويا سيّدَ العطور،
رائحةُ دمي
تشبه البخور
وقت تشييع الكرامة
على نوافذ التذاكر والمنابر.
كُن سليمًا…
لتسلم من جور الوقاحة
في الانحدار.
أعودُ إلى كلام اليائسين
وقت سقوط القنابل:
قالوا سينتصرون عليّ
قبل خروج النهار،
ونسوا أني أتلحّف الليل
وأوقظ الصباح؛
لينهزم المحتلّ
والغدّار.
اتفقنا أني باقٍ،
وأن نشيد الغزاة… ينهار.
لا تستحضرني كمن مات، وتظنّ أن روحه ملكك؛
أنا نبعٌ يأتيه الماء من غيم الشتات،
وتجري سواقيه وتعبر الخدين والجفون.
4
فاحمل ثيابك وارحل…
أو انتظر—لعلّ ضميرك
يوقظك—
وإن تأخّر في الغياب، فانتحر.
وقد تأخّر… الضمير؛
ولم يعد له حساب.
الأرض البيضاء وحدها تُطعم الجياع،
والسماء الزرق
اء وحدها ترفع لهم الشمس؛
والطغاة يغسلون أرواحهم
بالوحل الأسود،
ويحرقون أحلامهم
في لهيب
لا يُسمَع له نهاية.
دريسدن – طاهر عرابي