„هذيان الحياة“
في زمنٍ تتناثر فيه المعايير وتتفكك الحدود بين الحق والباطل، يصبح الإنسان أمام مأزقٍ وجودي دائم. نسعى للحياة ونخافها، نبحث عن المعنى وسط فوضى الهذيان.
هذه القصيدة محاولة لمراقبة هشاشة الأمل وتأمل العبث في عالمٍ تتصارع فيه الحروب مع رغيف الخبز، والحب مع الخوف، والانتماء مع النفاق.
هنا، يصبح الحلم مقاومة، والوردة رمزًا للصمود، والنعش مسرحًا لتناقضات الروح البشرية، وكل صورة دعوة لإيقاظ النظر العميق في جوهر الحياة.
⸻
هذيان الحياة
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – 01.08.2024 | نُقّحت 17.09.2025
العالم في حرب:
حربٌ ساخنة، وأخرى باردة،
وثالثة تجمعهما معًا،
في سرّيةٍ لا تُفشي إلا الحروب.
ونحن نحب الحياة… ونختبئ في نعش الهذيان.
حربٌ كرعد
دفن غيمًا أسود في قبرٍ ثقيل،
يرعبنا، فنشعر أننا في مأزق:
كيف نختبئ من فقدان الرغيف
ومن انكسار السكينة؟
الجميع يفكّر في الذكاء منفردًا،
وكيف نصبح فجأة أعداء،
رغم أن كلّ شيء في الحياة جميل؟
نتظاهر بالبراءة في ساحات الحرب،
نحبّ الصيف حتى في الشتاء،
ونحبّ البقاء حيث نعيش،
نحبّ الأعراس، وحدائق الشاي،
وأنواع الخبز المخلوط بنكهة القمر.
أحيانًا نقف خلف النوافذ،
لا نرغب في استنشاق الهواء،
ولا في مراقبة الطيور،
بل نبحث عن شارعٍ يخبّئ ظلّنا من العيون،
ونواعد صديقًا على حياةٍ قريبة من بيوتنا.
عُمرٌ يمرّ بين غضب وحرب،
وبين أمل صار من العَجَب:
أن نرى البحر في زرقة عيون الشيطان،
ونظنّ أن الموج دموعه.
من ترك لنا قبرًا
نصفه للحمام، ونصفه للمسير والهرب؟
هو من أوقف الشُّهُب،
وأعاد للسماء لونها البني من الغبار،
كأنها تتشكّل لتزيد غباءنا،
هو صاحب الفكر اللئيم على الصفاء.
فهل تراه السماء المطلية نجمة العبث،
وتراه الأرض سنديانة ثقيلة على السنين،
يحفّها التاريخ بكل فكرٍ منير؟
لا قوة فينا غير هذا الانتماء
للانتماء الكوني تحت عيون ترفض العماء.
أما أنا،
فأريد نعشًا ورديًا،
يحملني كعروسٍ من ضوء،
لا كجسدٍ من غياب.
كرهت التنقّل بين جبلين لا يذوبان:
أحدهما من المآسي، والآخر من الصمود.
صرت أخشى تخبّط المقدّسات
في تعريف الحق وإكرامه،
وأخشى أن يتغيّر لون السماء
وينحدر إلى فسيفساء معقّدة في تعريف الوفاء.
النفاق ينبت على الشفاه،
ويشيّد أبراجًا من طينٍ أعمى.
كن في الوطن، لتكون وطنًا.
أنا متأكد، ولست مغرورًا:
سيكون للمسيرة قوامها الثابت،
طموح واحد، لا سؤال فيه،
إرادة تحرّك الأجيال القادمة،
وتبعث فينا الثبات والروعة.
الزمن لعبة الحرب مع الحق،
فلن نتوقّف أمام مزهرية وردٍ
لم نزرع نحن بذرها،
سنكتفي بزهور البرتقال
حتى ينحني المتسوّل،
ويكفّ عن الحلم في نوم الخيال.
سيموت الهذيان
في بيت العنكبوت حتمًا،
وينجرف التيار نحو الهاوية قبل وصول الخيل.
لم نكن أشباحًا لنعبر في الخيال،
ومن يمتطي ظهر السلحفاة،
لن يتعلّم الصبر على الطريق،
بل يتأخّر عن الوصول.
لا تشدّني إلى كأس فارغة،
وتقول: انتظر المطر.
تعال معي إلى نبع،
واسقني من كفّيك ماءً بطعم الزنبق.
سيخترق الحمام، من أجلنا،
ثوب الملائكة،
ويعود قدّيسًا مكلّلًا بالعبق.
وآخر إنسان يرحل ميتًا عن هذه الأرض،
سيكون مزارع الورد، ونعشه من حبق.
فلا تشدّني لأغرق،
أنا البحر،
وأنت الزورق،
وفي هذيان الحياة…
لن نغرق،
بل سنغنّي أغنية السكينة والزنبق.
طاهر عرابي – دريسدن