الثلاثاء، 5 مايو 2026

سألوا عن الدرويش بقلم الراقي أكرم وحيد الزرقان

 بارك الله في قلوبٍ تفتش عن المعنى خلف بريق الألقاب، وفي نفوسٍ تدرك أن الرتبة الحقيقية هي التي تُبنى على التواضع والزهد، وجعل الله بحثكم عن كنه "الدرويش" باباً لصفاء الروح ونوراً يكشف لكم جمال الجوهر في زمن المظاهر، ورزقكم المولى بصيرةً تفرق بين العرض الزائل والجوهر الباقي، ومنحكم من لدنه قبولاً يرفع قدركم في الملأ الأعلى، وحفظكم الله من فتنة الكبر ومن ضيق الأفق، وأدام عليكم عزة النفس ونقاء السريرة بفيض كرمه وجوده 

يسألني الكثيرون بفضولٍ محبب عن سر تسميتي بـ "درويش الشعراء"، وكأنهم يبحثون عن الخيط الرفيع الذي يربط بين عوالم الشعر وسكينة التصوف، فالدرويش في لغة الروح هو الإنسان الذي تحرر من أسر المادة وقيود "الأنا"، ليعيش حراً بفقره إلى الله وغنياً بيقينه، هو الذي يرى العالم بعين قلبه، فيحول كل نبضة إلى ذكر وكل نظرة إلى عبرة، فكان هذا اللقب مرآةً لحالي قبل أن يكون اسماً لقلمي 

ولعل السائل يسأل: لماذا "درويش الشعراء" ولستُ "شاعر الدراويش"؟ والفرق هنا يكمن في عمق المسلك؛ فأن أكون درويشاً بين الشعراء يعني أنني أدخل محراب الكلمة بروح الزاهد الذي لا يطلب مدحاً ولا وجاهاً، بل ينشد الصدق المطلق ويجعل من قصيدته وسيلةً للترقي الروحي لا غايةً للتفاخر، بينما "شاعر الدراويش" قد يقيد الحرف في زاوية ضيقة، أما كوني درويشاً يكتب الشعر فهو اختيارٌ للفناء في جمال المعنى ليبقى الحرف شاهداً على جلال الخالق 

أن أكون درويشاً يعني أنني اخترتُ "الفقر الوجودي" غنىً، وخلعتُ نعلَي المطامع في وادي التجلّي المقدّس، فالفلسفة الصوفية ترى في الدرويش نقطةً في بيكار العشق تدور حول مركز الحقيقة لتثبت أن الكل واحد، وأن الحركة هي رقصة الروح شوقاً لمنبعها، حيث تسقط الجهات الست ويصبح الفضاء كله محراباً لذكر من ليس كمثله شيء 

سـألـوا عـنِ الـدرويـشِ قـلـتُ حـقـيـقـةٌ

تـفـنـى بـهـا الأوجـاعُ والأسـمـاءُ

فـالـروحُ فـي وجـدِ الـتـجـلِّـي وحـدةٌ

والـكـونُ فـي صـمـتِ الـمـدى أصـداءُ

درويـشُ شـعـرٍ مـا حـواهُ عـقـالُـهُـمْ

بـلْ فـاضَ وجـداً والـحـروفُ وعـاءُ

تـركـتُ لـلأوهـامِ عـالـمَ زيـفِـهـمْ

فـأنـا الـفـقـيـرُ ولـي بـذاكَ هـنـاءُ

دورانُ قـلـبـي حـولَ نـورِ حـبـيـبـهِ

سـرُّ الـوجـودِ وهـذِهِ الأشـيـاءُ 


درويش الشعراء


             أكرم وحيد الزرقان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .