أثقال الأماني المؤجلة:
ثمة لحظة تمرّ على كل إنسان، حين يلتفت فجأة إلى ما خلفه فلا يجد سوى الظلال.
لا يجد أحلاماً تحققت، ولا أمانيَ أُطلقت، بل يجد فقط تلك الأثقال الصامتة التي راكمها طوال عمره تحت مسمى «لاحقاً»، حتى صارت هي الإرث الوحيد الذي لم يختره.
نحن لا نكبر فجأة، بل نثقل ببطء تحت وطأة ما لم نجرؤ على البدء به.
كثيراً ما نخرج من دورة الحياة ولم نختبر جوهرها بعد.
نمرّ على أيامنا كظلال عابرة لا أثر لها؛ نؤجل الفرح كأنه ذنب، ونؤخر الحب كأنه عبء، ونضع البدايات الجميلة في أرشيف «وقتٍ آخر» لا نملك ضمانة لمجيئه.
والغريب في أمر هذه الأثقال أنها لا تُرى، لكنها تُحسّ في كل صباح حين يستيقظ الإنسان وفي روحه شيء يشبه الدَّين، دَين للحياة لم يسدّده بعد.
تلك العبارة التي نهمس بها لأنفسنا في غفلة من الوعي: «فيما بعد»… هي التي تُضاف كل يوم إلى الحِمل دون أن ندري.
نحسبها استراحة عابرة أو تأجيلاً مؤقتاً، فإذا بها تتحول إلى قطيعة أبدية وندم مقيم.
أكتب هذه الكلمات والوجدان يعتصره إدراك حاد؛ ليس على لحظات ضاعت فحسب، بل على حيوات كاملة انحنت تحت ثقل الأماني التي لم تُعَش.
لا أروي هنا حكاية عابرة للتسلية، بل أفتح جرحاً غائراً في الوعي الإنساني الجماعي؛ جرح الأمنية التي تتحول بمرور الوقت من جناح يريد أن يحلّق إلى صخرة تجثم على الصدر.
لقد كنا نظن، في سذاجتنا الوجودية، أن الزمن رفيق رحيم يمنحنا صكوكاً مفتوحة من الفرص.
ركنّا أحلامنا في زوايا النسيان، ووضعنا كلماتنا الصادقة في رواق الغياب… انتظاراً لظروف تكتمل، أو سكون يأتي، أو لحظة استعداد موهومة.
لكنني أدركت، بعد فوات الكثير، أن الزمن كائن لا يعرف الانتظار، وأن الحياة لا توقّع معنا عقوداً بالصبر الأبدي على تردّدنا.
كم من أمنية بدأت خفيفة كريشة، فلما أُجّلت صارت حجراً؟
كم من صلة إنسانية تركناها للذبول حتى جفت عروقها وصار إحياؤها عبئاً لا نقوى عليه؟
كم من كلمة حب، أو شكر، أو اعتذار، حُبست في الصدور حتى ضاع عنوان أصحابها؟
إن الأماني التي لا تُعاش في أوانها لا ترحل، بل تبقى معنا كأثقال غير مرئية تنهك الروح وتُثقل الخطى، حتى يجد الإنسان نفسه يمشي في الحياة لكنه لا يتقدم.
أستحضر هنا ذكرى ذلك الصديق الذي كان يحمل في أعماقه ريشة فنان وقلب ابن بار.
كان يحلم أن يجسّد ملامح والده المكافح في لوحة تليق بذلك التعب المقدّس.
كان يقول دائماً:
«حين أنتهي من هذا الالتزام»… ثم «حين يتسع الوقت»…
ثم «حين أصل لمرحلة النضج».
وفي كل مرة كان يقول فيها «لاحقاً»، كانت تلك اللوحة تزداد ثقلاً في روحه دون أن يدري، حتى صار حمله من الذنب تجاه والده أكبر من حمله من الحب.
لكن الغياب اختطف الأب قبل أن تكتمل أدوات الصديق.
في لحظة الفقد، وقف أمام لوحة بيضاء صامتة، يبكي عجزاً لا حزناً فحسب، ويتمتم:
«الآن صار عندي الوقت…
لكن من سيمنح اللوحة معناها؟».
تلك اللوحة لم تعد عملاً فنياً.
لقد صارت أثقل ما في الوجود؛ أمنية لن تطير أبداً.
منذ ذلك الحين، أيقنتُ أن التأجيل ليس راحة، بل هو تراكم صامت لما سيصعب حمله لاحقاً.
نهرب من «الآن» ظناً منا أننا نخفف أثقالنا، وإذا بنا نضاعفها.
ونُقنع أنفسنا بأن الغد سيكون أكثر سخاءً ورحمة، لكن الغد حين يحل يجدنا أكثر إرهاقاً وأقل جرأة، لأن الأثقال تراكمت.
يواجهنا بالأعذار ذاتها، ويجدنا نمارس طقوس التأجيل ذاتها.
ومع تراكم سنوات الانتظار، نصطدم بالحقيقة العارية:
لقد مضت اللحظة التي كان يمكن أن نضع فيها أثقالنا أرضاً ونطير.
عندها فقط، يصرخ الواقع في وجوهنا:
«لقد كنتُ متاحاً، فلماذا اخترتم الانتظار؟».
إن رؤية العمر وهو ينساب كالماء بين الأصابع، وإحساس الإنسان بثقل ما لم يفعله أكثر مما فعله، يفرضان علينا نداءً لا فكرة مجردة.
أدعو نفسي أولاً، ومن خلفي كل ذي لب، إلى أن نضع أثقالنا المؤجلة على طاولة الحاضر ونواجهها.
أن نستيقظ من هذا السبات، ونحتضن اليوم بكل تجلياته، بجماله المر وتحدياته الشاقة.
أن نطلق الكلمة الصادقة الآن،
لا حين تخمد العواصف.
أن نبدأ مشروعنا الوجودي الآن، لا حين تصفو السماء.
أن نعبّر، ونرمّم ما انكسر، ونصفح عمن أساء… الآن.
الحاضر هو المكان الوحيد الذي يمكننا فيه أن نضع أثقالنا ونتنفس.
وهو الميدان الذي لا يعترف بالمنتظرين على الأرصفة.
فلنحرّر أمانينا من سجن التأجيل قبل أن تتحول من أجنحة إلى أغلال.
لنقل ما يجب أن يُقال، ونفعل ما يُمليه الضمير، ونعانق جوهر الحياة… الآن،
وفي هذه اللحظة تحديداً.
قبل أن تصير الأمنية ذكرى.
وقبل أن يغدو الثقل أكبر من أن يُحمل.
بقلم:
د. محمد شعوفي
05 مايو 2026م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .