القصيدةُ التي لم تُقتَل
أحمد سعود عوض
عامانِ…
ولا زالَ في القلبِ مقعدُ طفلٍ مكسورِ النظرةِ،
وفي الجدارِ يدٌ صغيرةٌ لم تكتملْ في الرسمِ،
وفي الأفقِ ظلُّ أُمٍّ تبحثُ عن نداءٍ ضاعَ في الهواء.
عامانِ،
ولا زالَ الشِّعرُ يحاولُ أن ينطقَ باسمِ الغائبين،
أن يُمسكَ المعنى من بينِ ركامٍ
صارَ أوسعَ من اللُّغة.
هل تذكرونَ؟
كانت السماءُ في أكتوبرَ تُشبهُ جُرحًا يُضيء،
وكانَ الأطفالُ يمشونَ حفاةً نحوَ المدرسةِ،
لا يعرفونَ أنَّهم سَيُدرِّسونَ العالمَ درسَ الكرامةِ الأخير.
يا غزّةُ،
كم مرّةٍ قَتَلوكِ… ولم تموتي،
كم مرّةٍ أعلنوا موتَكِ في النشراتِ،
ثمّ عادوا يبحثونَ عن اسمِكِ في الموجِ،
وفي الكتبِ المقدّسةِ،
وفي فمِ طفلٍ يقولُ: أنا هنا.
أيُّها الشِّعرُ،
ماذا بقيَ لكَ من الأنهارِ لتغسلَ هذا الحبرَ؟
كيفَ تُكتبُ القصيدةُ،
وكلُّ بيتٍ فيها قبرٌ صغير؟
لكنَّ القصيدةَ — تلكَ التي لم تُقتَل —
تخرجُ من بينِ أنقاضِ الكلام،
كعصفورٍ من نار،
كنداءٍ يتردّدُ بينَ صمتِ العالمين.
هي لا تبحثُ عن المجازِ،
بل عن خبزٍ لأطفالِها،
عن غيمةٍ تُشبهُ الحليبَ،
عن وجهِ أمٍّ ما زالَ على قيدِ الحنين.
في غزّةَ،
يتعلّمُ الحجرُ أن يتنفّس،
ويتعلمُ الإنسانُ أن يُصلّي بلا معابد،
أن يَخلقَ معنىً جديدًا للحياةِ
من تحتِ جنازته.
يا شعرُ،
لا تكنْ حياديًّا،
فالصمتُ شركٌ،
والتواطؤُ لونٌ آخرُ من الدم.
قُلْها كما هي:
العالمُ خائن،
والسماءُ محايدةٌ أكثرَ من اللازم،
والبحرُ خائفٌ من ملوحةِ الأمهات.
قُلْها:
إنّ المجازرَ لم تنتهِ،
وإنَّ الخُطبَ القديمةَ لا تُعيدُ بيتًا واحدًا إلى الحياة.
قُلْها،
وكنْ أنتَ القصيدةَ التي لم تُقتَل،
التي تَكتبُ باسمِ مَن لا صوتَ لهم،
التي تُشعلُ من
الحزنِ نارًا،
ومن النارِ ضوءًا،
ومن الضوءِ طريقًا إلى الإنسان.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .