خلال ذلك اليوم البائس كانت المدينة قد توشحت بصباح شاحب كأنها عائدة من ليل حالك الأحزان ...و في الأفق ثمة سحب سوداء تتكاثف على مهل متعب حزين يومض برقها المستعجل إيذانا بيوم دامع لا نشوة فيه لبهجة المطر ... كان أبي ذاهبا إلى الحرب ...لم يرد اصطحابي معه... فقد أخبرني أن الصغار لا يذهبون إلى الحرب إنها مكان بشع لا يشبه الحديقة أو ملاهي الأطفال و لا حتى مقهى العم " فرناندو " الذي يعج بالصعاليك و المنحرفين و متقاعدي السجون القدامى ..... بل يبقون إلى جانب أمهاتهم ...وحدهم الكبار من يذهبون ... و لكنه لم يخبرني أن السبب هو أن الكبار قد لا يعودون...
لم أنتظره في المساء على عتبة البيت أو في أطراف الشارع و هو عائد كعادته محملا بحلوى... السوڨوص ...التي كنت أشتهيها حد الإدمان و كان هو يبادلني ولعي بها من باب المجاراة و الدلال....و لطالما علمني في أيامه الأخيرة معي أن حلوى الرجال هي مرارة الأهوال و الصعاب و أن حلاوة الحياة تكمن في اقتحامها مهما كانت الظروف و أنه علي أن أكون دوما مستعدا لأن أعيش يوما ما دونه و أن أعتمد على نفسي حتى في الحصول على حلوى السوڨوص .. كأنه كان يعدني لحدث ما لم يطلعني على وجعه ....
مضى هو إلى مصيره مشيا على قلبي مبللا بالمطر و دمع أمي ...لم أنتظره بل انتظرت أن أكبر... بل و حاولت أن أكبر كي ألتحق به في الصباح على جبهة الوداع ...
و ها أنا ذا قد كبرت و بلغت أشدي ... و ها أنا أجلس لوحدي في شرفة البيت أراقب شحوب الذكريات في المدى البعيد... لا أنيس لي سوى حلوى السوڨوص... و غمامة خجولة في الأفق تسألني...أين أمك...هل ذهبت هي أيضا إلى الحرب ...؟!....
## شيء من أقاصي الوجع....
الطيب عامر / الجزائر....
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .