الأربعاء، 8 أكتوبر 2025

الشك واليقين بقلم الراقي طاهر عرابي

 الشكّ واليقين

قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي


دريسدن – 12.12.2024 | نُقّحت 08.10.2025


في هذه القصيدة، حاولتُ أن أُعيد تأمّل العلاقة بين الشكّ والإيمان، لا بوصفهما خصمين، بل كوجهين لمسارٍ واحدٍ نحو معرفة الذات.


لم أكتب عن الشكّ لأهدم اليقين، ولا عن اليقين لأحتمي من الشكّ، بل لأتتبّع تلك المسافة التي تضيء بينهما حين يسكنهما الإنسان بصدق.


لغةُ القصيدة تتراوح بين الفكر والعاطفة، بين وضوح السؤال وغموض الرؤيا، حيث يتحوّل الشكّ من خصمٍ إلى رفيق، ومن امتحانٍ إلى وسيلة عبور.


أما اليقين، فلا أراه غايةً، بل أفقًا متحوّلًا يذوبُ في اليد قبل أن يُمسَك.


بهذا المعنى، أعتبر «الشكّ واليقين» رحلةً نحو الوعي، لا نحو الوصول — لأن الطريق يبدأ حقًّا حين نعترف أننا ما زلنا عند عتبته الأولى.



الشكّ واليقين


سرابُ البهجةِ يوحي بفيضٍ من سكينة،


وكأنَّ خرائطَ العبورِ إلى آفاقِ الوجودِ


قد تفادت الاحتراقَ بخشبٍ مبلول.


الأرضُ تبتهجُ برؤيةِ القادمينَ من مواسمِ القيمِ دون عناء،


فهل نبدّل الأمنياتِ برمادِ الضياع،


أم نقبلُ المغامرةَ لنصلَ إلى الحقيقة؟


حتى وإن اندفعنا بخطًى هوجاء،


بلا قيمٍ عصماء،


فالأفقُ يلوحُ كحلمٍ بعيدٍ،


يحرّكنا ويغوينا.


فتهبُّ عاصفةٌ فجأةً،


تدمّرُ نصفَ الطريقِ إلى البقاء،


والمُدهشُ أنّنا نباركُ الألمَ ونخرس.


الحذرُ يشملُ ما لا نراه،


وإلا سنكونُ في سلةِ الشكوكِ بلا قاع،


نسقطُ فيها كقطنٍ أسودٍ


يمتصُّ الضوءَ المنبوذ،


ويخنقنا برائحةِ دخانٍ لا نراه.


لم تعد الغايةُ تستحقُّ السلام،


كلُّ وعدٍ يذوبُ قبل أن نلمسه.


مرّ الزخمُ علينا بصخبٍ،


سرقَ منّا الألحانَ وغربلَ الرؤى.


ظهرَ السرابُ بعيدًا في الأفق،


والدعواتُ تتردّدُ كالنسيمِ بين الشفاه،


المثقلةِ بالخوفِ وسكونِ القلق.


فلا خيارَ سوى إعادةِ النظر،


في معنى البقاء، وفي سرِّ الرحيل.


اقتَلعتُ شوكتين من قدمي،


لكنَّ الطريقَ لم يبدأ بعد.


أزلتُ الرملَ من بين الأصابع، والطريقُ لم يبدأ،


ولم أسألْ: كيف يجرحني الشوكُ


وأنا لم أعبرْ أيَّ بستانٍ بعد؟


ولم أدخلْ صحراءَ،


والرملُ يتكوّمُ في الطريق.


هل كانت بدايةُ الرحلةِ اختبارًا للشك؟


ظننتُ أنّي ماضٍ بلا عناء،


لكنّي مقيّدٌ في مكاني،


أسائلُ الرحلةَ الحمقاء، وتسائلني:


هل أملكُ القدرةَ على العطاء؟


أيُّ عطاءٍ يُنقذُ الجسدَ من ثِقلِ الجسد؟


صارحني الشكُّ بالأمس،


وحدّدَ موعدًا ليهزمني كجمرةٍ تذوب،


يذيبُها المطرُ، ويدعو الذبابَ إلى بقايا الرماد.


في أولِ خطوةٍ نحو البهجة،


عند شجرةٍ أصلّي، أو حينما أنحني


لأشربَ من ماءِ الجدول، دون تذكّرِ المناجاة،


صرختُ:


“انتصرْ لي، أيها الشك، كي أبدأَ الرحيل!


كيف أمضي بخطًى وكأنّها هجناء،


بعد زواجِ الخوفِ من الشكّ،


صار الانتصارُ محالًا؟”


كانا متباعدَين وصارا واحدًا،


ولكلٍّ لونه وقوامه.


سأتركُ الجسدَ كومةً غافيةً


لنهارٍ يُغرقه الضوءُ،


وتنساهُ المصابيحُ عند المساء.


ليس من حقي أن أحملَ الروحَ والجسدَ


في خطوتي الهزيلة.


في غفوتي،


وجدتني أمامَ مرآةٍ في غرفةٍ صامتة.


وضعتُها لأهربَ من رؤيةِ شحوبِ وجهي،


ومن تجاعيدِ الأملِ التي تهاجمُ ساعاتِ الفشل.


نظرتُ،


رأيتُ شظايا وجوهٍ، بعضها لا يشبهني.


سألتُ:


“أيُّ وجهٍ يحملني إن أخطأتُ في تحديدِ رمزيةِ وجودي؟


هل أستطيعُ أن أغادرَ مرآتي


وأواجهَ الحقيقةَ دون خوف؟


أم أنّي سرابٌ آخرُ يمضي في دروبِ الشك،


يتلهّفُ لمن يحميه دون أجر؟”


سمعتُ صدى المرآةِ يقول:


“إنَّ المرايا تتغيّر،


إن كانت الخطواتُ للصبرِ حمقاء.


وشكُّ المرايا أصعبُ


من حصارِ النفسِ في جوفِ إناء.


احذرْ من نشيدٍ تظنُّه غناءً،


قد يكونُ الفرحُ


ترنيمةَ الأنفاسِ الأخيرةِ في صدرِ الوفاء.”


زفرتُ هواءً بحجمِ الجسد، وقلتُ:


“سنغادرُ معًا، يا مرآتي المتصوّفة،


من يخطُ الخطوةَ الأولى،


قد يصلُ… إلى أيِّ نهاية.


حتى لو عدنا إلى الغرفةِ العتيقة،


سنحملُ معنا ذكرى الخطوة،


وعندها سنعلم:


أنّ الفش

لَ بدايةٌ خفيّةٌ للانتصار.”


تغيّرَ بريقُ المرآة،


وصار مطويًّا تحتَ عيني،


وكأنّه وسادةٌ بلا ملمس.


اختلفنا على نوعِ العتمة،


وأيِّ أحلامٍ نمرّرُها إلى وسادةِ المرايا.


طاهر عرابي – دريسدن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .