القصيدةُ التي لم تُقتَل
ملحمة شعرية في الذكرى الثانية للإبادة على غزة
أحمد سعود عوض
مقدمة
تشكّل هذه الملحمة الشعرية الممتدة على خمسة فصول رحلةً إنسانيةً من الألم إلى القيامة، ومن الصمت إلى النشيد، حيث تتلاقى الأصوات الثلاثة — الشهيد، والناجي، والشعر — لتصوغ معًا شهادةَ الروح الفلسطينية في وجه الفناء. تستعيد القصيدة نَفَسَ الشعر العربي الحديث في بعده الوجودي، لتؤسس خطابًا جماليًا جديدًا يُقاوم الصمت ويحتفي بالبقاء.
(1)
القصيدةُ التي لم تُقتَل
عامانِ...
وما زالَ الدخانُ يكتُبُ أسماءَ الأطفالِ
على جدرانِ الغياب.
عامانِ...
والبحرُ يُعيدُ إلى الشاطئِ
نعالًا صغيرةً،
ودفاترَ لم تكتملْ فيها الحروفُ،
وصورًا لأمهاتٍ
لم تَعُدْ تجدُ وجوهَها في المرآة.
أيّها العالَمُ،
أيُّ كتابٍ تُريدُ أن تكتُبَه بعدَ هذا؟
أيُّ قانونٍ يُبرّرُ المذبحة؟
أيُّ حضارةٍ تُبرّرُ أن يُدفَنَ الحليبُ
تحتَ الإسمنتِ والحديد؟
عامانِ...
وغزّةُ لم تنَمْ،
لأنّ الميتينَ فيها لم يأذنوا للموتِ
أن يُغلِقَ عيونَهم.
عامانِ...
وغزّةُ لم تَسقطْ،
لأنّ الذينَ سقطوا فيها
صاروا أجنحةً للأحياء.
في كلِّ بيتٍ هناكَ جدارٌ يتنفّسُ،
وفي كلِّ رُكامٍ هناكَ قصيدةٌ
تُدرِّبُ نفسَها على النهوض.
هنا، في هذا الركامِ،
تتعلّمُ الحجارةُ أن تُصلّي،
ويتعلمُ الطفلُ أن يُكملَ اللعبَ
في حقلٍ من الشهداء.
ما الذي يمكنُ للشِّعرِ أن يقولَهُ بعدَ عامين؟
هل يقدرُ أن يُحصي القتلى؟
هل يُعيدُ لأمٍّ يدَ طفلِها؟
هل يرمّمُ وطنًا
صارَ شَظايا في ضميرِ الكوكب؟
ربّما لا،
لكنَّهُ يقولُ ما لا يجرؤُ الصمتُ على قوله:
أنّ الحياةَ ما زالتْ هنا،
في هذا الجُرحِ،
في هذا الغبارِ،
في هذا الاسمِ الذي يرفضُ أن يُمحى.
يا غزّةُ،
كم مرّةٍ قَتَلوكِ...
وكم مرّةٍ بعثتِ أنفاسَكِ من رائحةِ التراب!
كم مرّةٍ أرادوا أن يُطفِئوا عينيكِ،
فأوقدتِ قمرًا في قلبِ اللّيلِ،
ورسمتِ على النهرِ جسرًا من الضوء!
غزّةُ،
أنتِ البلادُ التي لم تَعدْ تُشبهُ أحدًا،
الأغنيةُ التي تُردّدُها الملائكةُ في جنازاتِنا،
والمعنى الذي يُعيدُ للإنسانِ تعريفَهُ.
يا شعرُ،
لا تقلْ “أنا عاجز”،
فالعجزُ صمتٌ،
والصمتُ موتٌ،
والموتُ تواطؤٌ مع الجريمة.
قُلْها كما هي:
القتلةُ في المكاتبِ يكتبونَ بياناتِ النّدم،
والشهداءُ في المقابرِ يكتبونَ القصائد.
قُلْها كما هي:
أنَّ العالمَ صغيرٌ على دمعةِ طفلٍ،
وأنَّ اللغةَ خائنةٌ حينَ تُبرّرُ القتْلَ،
وأنَّ الشعرَ لا يُقالُ كي يُعجبَ الناسُ به،
بل كي ينجوَ الإنسانُ من الصمت.
عامانِ،
ولم تنتهِ الحربُ بعد،
إنّها تُعيدُ نفسَها كلَّ صباحٍ
بصوتِ طائرةٍ جديدةٍ،
وبنداءِ أمٍّ على درجٍ مهدوم.
لكنَّ القصيدةَ — تلكَ التي لم تُقتَل —
ما زالتْ تكتبُ العالمَ من جديد.
تجلسُ على رُكامِ بيتٍ
وتقولُ:
ما دامَ في الأرضِ حرفٌ،
وفي الحرفِ أنينٌ،
فلن ينتهي النشيد.
ما دامَ في عيونِنا طفلٌ
يرسمُ علمًا من دموعِه،
فلن تموتَ البلاد.
ما دامَ فينا قلبٌ واحدٌ
يُصرّ على الحُبّ
في زمنٍ كهذا،
فلن يُقتَلَ الإنسان.
يا قصيدتَنا التي لم تُقتَلْ،
ارفعي وجهَكِ من بينِ الرماد،
نظّفي عينيكِ من الغبار،
واكتبي على الهواءِ:
نحنُ لم نَمُتْ،
نحنُ الذينَ علّمنا القبرَ
كيفَ يكونُ طريقًا إلى الولادة.
(2)
نشيدُ الذينَ لم يُدفَنوا
نحنُ الذينَ لم نُدفَن،
ما زلنا هنا،
نَنفُضُ عن أهدابِنا الغبار،
ونُصلحُ في المدى ملامحَ الفجرِ،
ونرسمُ للسماءِ بابًا من الصبر.
لسنا ظلالًا ولا ذكرى،
نحنُ الهواءُ الذي يمرُّ على وجهِ غزّةَ،
فنستيقظُ في صدرِ أمٍّ لم تَزَلْ
تُحضّرُ طعامَ المساءِ لأطفالٍ
ناموا على الخبزِ والحلمِ.
نحنُ الذينَ لم نُدفَنْ،
ولا نُريدُ أن نُدفَنَ،
نحنُ الذينَ تَعلّموا أن يعيشوا
بينَ الموتِ والمجاز.
حينَ تهبطُ الطائراتُ،
نُمسِكُ الهواءَ بأيدينا،
ونُعيدُ ترتيبَ الغيومِ،
كي تظلَّ فوقَ مدينتنا ظلالُ اللهبِ
أكثرَ رحمةً.
نحنُ الذينَ لم نُدفَن،
نسيرُ في الليلِ حفاةً،
نُضيءُ الطريقَ بخُطانا،
ونسمعُ خلفَنا صدى البكاءِ
يتحوّلُ إلى أغنية.
نحنُ الذينَ لم نُدفَن،
نكتبُ القصائدَ على الجدرانِ
بأصابعٍ من رماد،
وننقُشُ أسماءَنا على الماء،
ونقولُ: هذا زمنُ العودةِ من الفناء.
يا شعرُ، خذْ عنّا هذا النشيد،
وغنِّهِ باسمِ الذينَ لم يُكْمِلوا طفولتَهم،
باسمِ الذينَ وُلدوا تحتَ القصفِ
فلم يتعلموا البكاء.
غنِّهِ لنا كي نتذكّرَ كيفَ كنّا بشرًا،
وكيفَ صارَ فينا الحجرُ أكثرَ حنانًا
من العالم.
غنِّهُ كي نُقنعَ النهارَ
أن يعودَ إلى عملِه،
والقمرَ أن يزورَ مدينتَنا مرّةً أُخرى.
نحنُ الذينَ لم نُدفَن،
نحملُ في أكفانِنا الضحكَ،
وفي قلوبِنا الموسيقى،
وفي عيونِنا وعدًا بالقيامة.
نحنُ الذينَ لم نُدفَن،
نقفُ في منتصفِ الجرحِ،
نُمسِكُ بالأفقِ كي لا يسقطَ،
ونقولُ: هذا الترابُ لنا،
وهذا الغيمُ لنا،
وهذه البلادُ لنا،
ولن نموتَ — ولو متنا —
إلّا واقفين.
(3)
أناشيدُ العائدينَ من الصمت
نخرجُ من الصمتِ كأنّ الصمتَ قوقعةٌ
وكأنّ البحرَ في آذانِنا
قد تعلّم أسماءَنا،
فأعادَها إلينا واضحةً،
مثلَ حَبّةِ قمحٍ في قبضةِ فلاح.
نخرجُ من الصمتِ
وفي أفواهِنا ملحٌ
وفي أيدينا مفاتيحُ لبيوتٍ
لا تزالُ تقفُ في الذاكرةِ
على عتباتِها الأمهاتُ.
نحنُ الأحياءُ الذينَ
ارتدّ إليهم أنفاسُهم،
نَفُكُّ الحبالَ عن الحنجرة،
ونعلّمُ الصوتَ المشيَ من جديد،
ثم نُجلسُه على رُكبَتَي القصيدة.
نكتبُ كي لا يُنسي الغبارُ وجوهَنا،
وكي لا تُصبِحَ أسماءُ الشوارعِ
هوامشَ في أرشيفِ الخرائط،
نكتبُ لأنّ الكتابةَ ماءٌ
ولأنّ الماءَ يعرفُ طريقَهُ إلى البيت.
نحنُ العائدونَ من الصمت،
نحملُ في رؤوسنا نجومًا
انطفأت آلافَ المرّات،
لكنّها كلّما سقطتْ في الظلام
أوقدتْ فينا معنى جديدًا للنهار.
نُعيدُ ترتيبَ الأواني في المطبخِ،
نغسلُ الأطباقَ كما لو أنّ الغدَ قريب،
ونعلّقُ على الحبلِ قميصًا صغيرًا
كي تتعرّفَ الريحُ إلى الطفلِ الغائب،
فتعيدَه اسمًا إلى فمِ الأم.
نحنُ الذينَ لم تنكسرْ مراياهم،
لأنّ الوجوهَ تنعكسُ في الماءِ
لا في الزجاج؛
والماءُ لا يتكسّر،
إنّه يبدّلُ شكلَهُ ليبقى.
نكتبُ الأشجارَ كي تصعدَ الطيور،
ونكتبُ الطيورَ كي تتذكّرَ السماءُ
أين تضعُ جناحيها،
ونكتبُ السماءَ كي تتذكّرَ الأرض
أنّ لها سقفًا من الغيمِ لا من الحديد.
نُوقظُ الأزقّةَ بحفيفِ الخطى،
ونحفظُ للبابِ صريرَهُ الأوّل،
وللمفتاحِ صوتَهُ الذي يشبهُ
ضحكةَ جدّتِنا حين تقول:
“عودوا… فالمساءُ طويل.”
نحنُ العائدونَ من الصمت،
نمسحُ العتمةَ عن أكتافنا
كأنّها غبارُ سفر،
ونعلّقُ على كتفِ المدينةِ
وشاحًا من أسماءِ الشهداء.
لا نطلبُ من اللغةِ زينةً،
نطلبُ منها خبزًا وملحًا،
نطلبُ منها نافذةً
تطلُّ على بحرٍ يتذكّرُ المراكب،
ومرآةً لا تُخيفُ وجهَ الناجين.
نحنُ الذينَ يكتبونَ —
لا لكي يصفَحَ العالمُ عن نفسه،
بل كي يَدينَها بالوضوح:
القتيلُ كتابٌ مفتوح،
والقاتلُ هامشٌ في صفحةٍ ممزّقة.
نُعيدُ للطرقِ أسماءَها الأولى،
ونضعُ على الجدارِ ساعةً
تدورُ بالعُمرِ لا بالدقيقة،
ونُصلحُ في الساحةِ تمثالَ العابرينَ
كي لا ينسى الطريقُ خُطاهم.
نحنُ الذينَ تعلّموا
أن يزرعوا القمحَ في الأصوات،
وأن يحصدوا من الكلماتِ
حنطةً توزَّعُ على الفقراءِ
في مساءاتِ المخيّم.
إذا ضاقَ الصدرُ،
نقرأ سورةَ البيوتِ المهدّمة،
نرتّلُ أسماءَها بيتًا بيتًا،
ونرفعُ الأذانَ للمعنى
لا للجهة.
نحنُ الذينَ لا يريدونَ معجزةً،
يكفيهم هذا القِدرُ على النار،
وهذه الحكايةُ حولَها أطفالٌ،
وهذا الدعاءُ الذي يمشي
على بساطٍ من بخارِ الشاي.
نكتبُ كي لا يمرَّ القتلُ
كخبرٍ عابر،
وكي لا يمرَّ الحبُّ
كفائضٍ في النشرات.
نكتبُ كي يبقى العدلُ
كلمةً قابلةً للحياة.
يا قصيدتَنا،
كوني درجًا إلى الهواء،
وكوني لكلِّ يدٍ مفقودةٍ
يدًا جديدةً،
ولكلِّ عينٍ أطفأها الغبار
نافذةً على الفجر.
يا قصيدتَنا،
إذا خافَ الحجرُ من الليلِ
كوني لهُ قلبًا،
وإذا ارتجفَ القلبُ من البردِ
كوني لهُ نارًا،
وإذا تاهتْ النارُ في القصفِ
كوني لهُ معنى.
نحنُ العائدونَ من الصمت،
لا نُعلنُ نهايةً لأحد،
نُعلنُ بدايةً لنا:
نعلّمُ الجرحَ تهجئةَ الشفاء،
ونعلّمُ الشفاءَ ألّا ينسى الجرح.
نكتبُ لأنّ الكتابةَ
حائطُ صدٍّ أخيرٌ
حين تسقطُ المدن،
ولأنّ المدنَ التي تسقطُ
تحتاجُ إلى لغاتٍ تنهضُ بها.
نُقسمُ:
لن نتركَ اسمًا بلا جرس،
ولا بابًا بلا أثرِ يدٍ،
ولا شارعًا بلا ضحكةِ طفل،
ولا قصيدةً بلا دمٍ يُضيء.
ونقولُ للعالم:
لسنا خبرًا في قاعِ نشرة،
نحنُ النشرةُ كلُّها،
نحنُ الصفحةُ الأولى
إذا أرادَ الصبحُ أن يكونَ صباحًا.
ثم نمضي…
لا إلى نهايةٍ،
بل إلى يومٍ عاديٍّ
يحتاجُهُ التاريخُ أكثرَ من المعجزات:
خبزٌ ساخن،
صفٌّ مدرسيّ،
وحديقةٌ تُرَبِّتُ على كتفِ الأُمهات.
وهكذا،
حين يُسألُ السؤالُ الأخير:
ماذا يصنعُ الأحياءُ بعد عامين؟
نجيبُ:
نكتبُ،
كي يظلَّ في الإنسانِ إنسانٌ،
وكي تعودَ البلادُ بلدًا،
والقصيدةُ — تلكَ التي لم تُقتَل —
تفتحُ للعائدينَ من الصمت
بابًا واسعًا على الحياة.
(4)
كتابُ النهار – دروسٌ في النجاة
1
في الصباح،
تغسلُ الأمُّ يديها من الغبار،
وتعدُّ القهوةَ كما لو أنَّ شيئًا لم يكن.
هذا هو الدرسُ الأوّل:
أن نُقيمَ الحياةَ في وجهِ الفناء.
2
لا تسألِ الجرحَ عن موعدِ الشفاء،
اسأله: هل تعلّمتَ المشيَ؟
فالشفاءُ طريقٌ لا وصولَ فيه،
والحياةُ محاولةٌ شجاعةٌ للبدءِ من الصفر.
3
حين تُقصفُ المدينةُ،
تغلقُ الأبوابُ على نفسها،
لكنّ النوافذَ تظلُّ تتذكّرُ الهواء.
هكذا الإنسانُ…
يُكملُ تنفّسَه حتى في الحجر.
4
في درسِ اللغةِ الأخير،
كتبَ الطفلُ على السبّورةِ:
“الوطنُ فعلٌ مضارعٌ لا ينتهي.”
ثمّ سكتَ المعلمُ،
وبكى الحائطُ.
5
النجاةُ ليست أن تخرجَ من الركام،
بل أن تحملَ معكَ من تحتِه
صوتًا تقولُ به للعالم:
“كن إنسانًا ولو لم يكن أحدٌ يراك.”
6
أبسطُ المعجزاتِ أن يشتعلَ الموقدُ،
أن تعودَ الكهرباءُ لخمسِ دقائق،
أن يُنادي البائعُ على بضاعةٍ
لم يَبقَ منها سوى الرائحة.
هذه هي المقاومةُ:
أن تبتسمَ في وجهِ الرماد.
7
في كتابِ النهارِ،
تعلّمنا أنّ الحبَّ ليسَ رفاهيةً،
بل وسيلةٌ للبقاءِ على قيدِ الحلم.
حين يُحبُّ أحدُنا الآخرَ هنا،
تتراجعُ المجاعةُ خطوةً إلى الوراء.
8
يا ابنَ المدينةِ المهدَّمة،
اكتُبْ ما ترى كما هو،
ولا تُزيّن الحطامَ بالكلمات.
الصدقُ وحدهُ يُرمِّمُ العالم.
9
تعلّمنا من الطفلةِ التي فقدتْ عائلتَها
أنَّ الدموعَ ليست ضعفًا،
بل وضوحٌ شديدٌ في الرؤية.
من يبكي يعرفُ أينَ يقفُ القلب.
10
في كلِّ درسٍ من دروسِ النهار،
تبدأُ الجملةُ باسمٍ جديدٍ للشمس،
وتنتهي بعبارةٍ واحدة:
“ما زلنا هنا.”
11
نحنُ لا نكتبُ التاريخ،
بل نحملهُ في أكفِّنا،
ونحميه من النسيانِ بالدمع.
التاريخُ الحقيقيُّ يُكتَبُ في العيونِ،
لا في الكتب.
12
من علَّمَنا أنَّ الموتَ نهايةٌ
لم يعرفْ غزةَ.
هنا،
الموتُ بابٌ آخرُ للحياة،
والشهادةُ طريقٌ مختصرٌ للخلود.
13
في كلِّ يومٍ،
يستيقظُ طفلٌ جديدٌ على الركام،
ينادي: “أينَ أبي؟”
فتجيبهُ الريحُ: “فيك.”
هكذا يبدأ النهارُ.
14
توقّفْ عن انتظارِ العالم،
العالمُ تأخّرَ كثيرًا.
اصنعْ لنفسكَ سماءً
من إصرارٍ وأغنيةٍ،
واكتبْ تحتَها: “لن أموتَ مرتين.”
15
في كتابِ النهار،
تقولُ الأمهاتُ لأولادِهنّ:
"عودوا قبلَ الغروب."
لكنّ الغروبَ لا يعود.
لذلك،
يَصنعنَ من الانتظارِ وطنًا جديدًا.
16
إنْ سُئلتَ: ما تعريفُ النّجاة؟
قلْ: أن أستطيعَ أن أقولَ اسمي،
وأسمعَ من يُجيبني.
17
السماءُ ليست بعيدةً كما تظنّ،
هي تنزلُ كلَّ مساءٍ إلى الشرفةِ
لتنصتَ إلى الأطفالِ
حينَ يتحدّثونَ مع الغياب.
18
لا تُصدّقْ أنَّ الشعرَ كلماتٌ،
الشعرُ هو أن تُبقي قلبكَ نابضًا
في عالمٍ يتدرّبُ على القسوة.
19
في كتابِ النهار،
آخرُ درسٍ يقول:
من يمشي نحوَ الضوءِ،
قد لا يصلُ،
لكنّهُ يَصيرُ هو الضوء.
20
وهكذا…
تغلقُ القصيدةُ كتابَ النهار،
وتُعيدُ للعالمِ صوته،
وتهمسُ لغزّةَ —
من بينِ كلِّ أنقاضِها —
بكلمةٍ واحدةٍ لا تموت:
الحياة.
(5)
الحياةُ التي تُقاومُ موتَها
ها نحنُ نعودُ إلى الحياةِ
كأنّها آخرُ معركةٍ لنا.
نحملُ على أكتافِنا
ترابَ الذينَ لم يعودوا،
ونقولُ: سنُكملُ عنهمُ الطريق.
في الصباحِ،
حينَ يفتحُ الضوءُ نافذةً في الجدار،
نسمعُ أصواتَهم —
الذينَ استراحوا في صدرِ الغيم —
يقولونَ:
لا تمشوا على الأرضِ كمن يهرب،
بل كمن يكتبُ وصيّتَه بالخطوات.
نزرعُ في التّرابِ ما تبقّى من أسماءِهم،
فنرى الزهرَ يخرجُ من بينِ الحروف،
ونقولُ:
ها هي الحياةُ تُقاومُ موتَها.
الحياةُ ليست وعدًا بعيدًا،
هي خبزُ اليوم،
ورائحةُ القهوةِ في مطبخٍ مهدوم،
وضوءُ شمعةٍ تُنقذُ الليلَ من اكتماله.
الحياةُ ليست انتصارًا،
بل استمرارًا في وجهِ اللاجدوى.
هي أن نحملَ المعنى
ونمشي به عُزّلًا
في شارعٍ يزحفُ عليه الرماد.
يا موتُ،
تعلَّمْ من غزّةَ
كيفَ يُهزَمُ الفناءُ بصبرِ امرأةٍ،
وكيفَ يصيرُ البكاءُ صلاةً،
والصمتُ نبوءةً لا تُطفَأ.
يا شعرُ،
كنْ آخرَ ما يَنجو،
كنْ بئرَ المعنى حينَ يجفُّ الكلام،
وكنْ غيمةً للذينَ احترقوا
دونَ أن يُطفئوا الحلم.
يا شهداءَنا،
ها هي الأرضُ تسمعُ خطواتِكم
في دَفءِ التراب.
ها هي المدنُ تنامُ على أصواتِكم،
وتستيقظُ حينَ تمرّ أرواحُكم
كالنسيمِ في الفجر.
لا موتَ بعدكم،
فأنتمُ الزمنُ الذي نُقِشَ على الوعي.
أنتمُ الحكايةُ التي
تُعلّمُ الكونَ كيفَ يُولَدُ من الجُرح.
نحنُ الذينَ بقينا،
نكتبُ الحياةَ ببطءٍ،
كما تكتبُ الأمُّ اسمَ ابنِها
على دفترِ الغياب،
نُعيدُ للوقتِ توازنَهُ
بينَ دقّةِ القلبِ ودقّةِ الساعة.
نحنُ الذينَ ما زلنا نرى اللهَ
في التفاصيلِ الصغيرة،
في ك
أسِ الماءِ،
في ضحكةِ طفلٍ
ينامُ فوقَ الركامِ آمِنًا،
في قُبلةِ عاشقٍ
تُصرُّ أن تكونَ حياةً لا ذكرى.
الحياةُ التي تُقاومُ موتَها
لا تُريدُ أبطالًا،
بل قلوبًا تعرفُ كيفَ تُحبُّ
في أقسى اللحظات،
وعيونًا ترى الأبديةَ
في نظرةِ طفلٍ إلى السماء.
الحياةُ التي تُقاومُ موتَها
تُعلّمُنا أن نُصدّقَ الغدَ،
ولو من رمادٍ.
أن نفتحَ الأبوابَ
ولو على هواءٍ مكسور.
أن نقولَ “نحنُ”
حتى لو لم يبقَ سوانا.
وحينَ يُسألُ الشِّعرُ في النهاية:
ما الذي بقيَ من العالم؟
يجيبُ — من قلبِ غزّةَ —
بقيتِ الحياةُ،
لأنَّها أحبَّتِ الإنسانَ
أكثرَ ممّا خافتهُ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .