الأربعاء، 15 أكتوبر 2025

حين يتراقص الخراب بقلم الراقي طاهر عرابي

 "حين يتراقص الخراب "


قصيدة رمزية للشاعر والمهندس طاهر عرابي

دريسدن – 30.09.2023 | نُقِّحت في 14.10.2025


قصيدة رمزية من ستّ لوحاتٍ تجسّد عبث الإنسان وعدالة الطبيعة.

حين يتراقص الخراب، لا يرقص الخراب وحده… بل نرقص معه، ونحن نحاول ألّا نسقط.



حين يتراقص الخراب


1. الطاهي والنار


غبارٌ ودخانٌ وحريقٌ يعصف بالمطبخ،

والطاهي يرقص في غرفة النوم،

غيرَ آبهٍ بما يشتعل خلفه.


يحتسي نبيذًا معتّقًا نصف قرن،

ويتذكّر:

هل أضاف الملحَ أم السكر؟

أم أنّ الفلفل تبدّلَ وصارَ ملحًا أسود؟


رنّ جرسُ الباب، ولم يسمع.

دخلوا، حاصروا النار،

ونسوا إبعاد السكر،

بينما الملحُ من الجمرِ يسودّ ويتعفّر.


ضحك الطاهي وقال:

“كنتُ أتمتّع قبل الأكل،

ولم ينضجِ اللحمُ بعد.

لا تُضيفوا الملحَ إلى النار،

بل أضيفوا النارَ إلى الفلفل!”


أخذوه مقيّدًا إلى المخفر،

وبعد ساعاتٍ خرجَ يندبُ حظَّه ويثرثر:

قالوا النبيذَ معتَّقًا…

وهذا لا يُصدَّق،

والثمنُ تضاعفَ بالحرق.

كيف أرقّع ما ثقبته النارُ قبل نضوج اللحمِ في القدر؟


2. الصديقة والستائر المدخَّنة


نافذةُ البيتِ مفتوحة،

وسيدةُ البيتِ تُحادثُ سيجارةً، وقهوةً، وصديقةً.

أحاديثُ مخلوطةٌ بعزاءِ الثقافةِ وفنِّ القطيعة.


قالت:

“الشعرُ لم يَعُد كما كان، فيه قوافٍ وبحور،

والقصةُ تحوّلت إلى بوليسيةٍ باهتة،

القاتلُ يُحاورُ المقتول،

والشرطةُ تتفرّجُ على الدليل.

كلُّ شيءٍ تغيّرَ يا صديقتي،

وبقي المسرحُ وحده…

ينتظرُ الترميمَ وممثلينَ يُجيدونَ الإيثار.”


في الخارج، دخانُ السياراتِ ينثرُ رائحةً كريهة،

وزيتٌ محترقٌ منذ أزمانٍ سحيقة،

أعادوا حرقَه ليصلوا إلى مكانٍ مجهول،

يبصقُ ألوانَه على الستائرِ البيضاء،

ويذرّ هبابًا ناعمًا على الأريكةِ وطاولةِ الطعام.


تعكّرت صفوةُ الستائر،

وتحوّل صدى دعاية “برسيل”

إلى بقعٍ رماديةٍ على شاشةِ التلفزيون،

ثمّ على السجادة،

ثمّ على وجهِ السيدة،

فسالَ لونُ الشفاهِ الأحمر،

وظنّت الصديقةُ أنه لونٌ قرميديّ،

فضحكت، وباركت، وطلبت عنوانَ المتجر.


بردت القهوة، وانتهت علبةُ الدخان،

وفكّرت صاحبةُ البيت جديًّا:

“لابدّ من تغيير الصديقات… والنوافذِ معًا.”


3. ميدان الحرية


على تقاطعِ الطريق،

أجسادٌ طريّةٌ تلتصقُ بالأسفلت.

شبابٌ وبناتٌ جامعيون

يصرخونَ بصمتٍ عبر اللافتات:


“حريةُ التعبيرِ أهمُّ من الغذاء،

وحريةُ الحريةِ هدفٌ مقدّس،

لا تظنّوا أنّنا غافلون.”


تدخّلتِ الشرطةُ لفتح الطريق،

وسادت فوضى عارمة.


قال صحفيٌّ جاءَ مع الشرطةِ ضدّ الشرطة:


“إنّهم يحملونَ مستقبلًا مفعمًا بالبغضاء،

يزحفون نحو الماضي،

وينسون الحاضر…

يا لها من مهزلةٍ: السلطةُ والتفكيرُ والتخريبُ سواء!”


وقالت الشرطةُ بصوتٍ خافت:


“كأنّهم يسافرونَ مشيًا إلى القمر،

يحلمونَ بديمقراطيةٍ تُتيحُ كلَّ شيء،

حتى إغلاقَ الساحاتِ والشوارع.

سنفرحُ حتمًا،

حينَ يعودونَ فلاحينَ بسطاء،

يستريحونَ تحتَ شجرةِ تفّاح،

وبجوارِ كلبٍ يُحسنُ العواء

إذا مرّت فراشة.

لا وقتَ للفوضى… ما أجملَ البيوت،

لقد حلَّ المساء،

وللمساءِ فكرٌ أكثرُ نبضًا.

فلن تُغيّروا مجرى نهرٍ

إن جلستم فيه قرفصاء

تعبثونَ بالحصى.”


4. الحفل الحزين


في مصنعِ عرباتِ المعاقين،

احتفلوا اليومَ بوصولِ جرحى حربٍ جديدة.

لا يهمُّ من أين جاؤوا،

ولا متى تنتهي الحرب.


كان الحفلُ خاصًّا،

ولحظاتُ الفرحِ تأخّرت قليلًا،

فالمتعاطفونَ كانوا سكارى

من فرطِ الحزنِ العميق.


الحربُ خرابٌ أبديّ،

لكنهم قدّروا أرباحَ البيع بسرور،

وتمنَّوا للمعاقينَ حياةً سعيدة.


استعرضوا العرباتِ، والقفّازاتِ، والأطرافَ المرِنة،

كلُّها صُنعت بدقّةٍ، ورُسمت بمهارة،

وعلى المعاقِ أن يشعرَ بسعادةٍ ما بعد الإعاقة.


أكلوا، شربوا، حسبوا،

فكّروا بالتجديد،

وبتسجيلِ براءةِ اختراعٍ للإصبع.


ثمّ اتفقوا على البكاءِ لاحقًا،

حينَ يُسمحُ لهم بالتنديدِ بالقنابل،

وتغطيةِ الألغامِ بحقولِ الأرز.


5. موت الورود


جاء صيفٌ حارٌّ وبخيل،

مطرٌ شحيح،

وحشراتٌ تفترسُ الرونقَ، وتُبدِّلُ الألوانَ بهمجيةِ المستعمر.


الورودُ مريضة،

والدواءُ سيقتلُ العصافيرَ المغرّدة.

رضختِ الورودُ، وباتت منقلِبةً على ساقِها،

عاجزةً عن نشرِ عبيرٍ… ولو لساعة.


لم يَعُد للندى نداءٌ مسموع،

تحوّلَ إلى رغوةٍ باهتة.


في الحديقةِ المجاورة،

جلستْ عجوزٌ تحدّقُ في الوجوهِ الباهتةِ للورود،

لم تقطفْ منها وردة،

ولا شمّتْ عطورًا.


غضبت وقالت:

“أتمنّى أن أعيشَ… لترضوا، ولكني أتمنّى.”


حاسةُ الشمِّ تموتُ باكرًا،

والعيونُ تُغنّي وحدَها في النهار.

قالت مبتسمة:

“تبسّموا لي… كيفَ تحسّستُ الطريقَ إليكم

دونَ عطرٍ يدلّني؟”


قرّرتِ العجوزُ دفنَ الورود:

“لا يمكنُ رؤيةُ وردٍ يتعذّب.”


غطّتْها وتنهّدت، وتمتمت:

“حتى الورودُ تحتاجُ إلى رعايةِ المسنّين؟

غطّيتُ كلَّ شيءٍ… بكلِّ حبٍّ،

ولا أدري من سيغطّيني،

حتى لو نسوا… الحبَّ نفسَه.”


6. اللصوص والشجر


في غابةٍ معزولة، محفوفةٍ بالمخاطر،

اجتمعَ قطاعُ الطُرقِ سرًّا.


الطيورُ تُراقبُ بحذر،

تخشى هجرةَ الأغصان،

وانتقامَ الجذورِ من الأعشاش.


همستْ إحداها:

“حيثُ يجتمعُ اللصوصُ… ينبتُ الخراب،

احذروا، فهم مُسلَّحون بالبغضاء.”


هبت رياحٌ،

وسقطَ غصنٌ على المجتمعين.


قالت الطيورُ بدهشة:

“من منّا كلّمَ الأغصانَ لتُنفّذَ العقوبة؟

يا لها من صدفةٍ… تحملُ عدلًا غريبًا.”


ماتوا جميعًا،

وانتصرَ الشجر.


“تعالوا، فقد حانَ موعدُ الهجرة.

وحين نعود،

سيكونُ الموتى حجرًا، أو عظمًا يتحلّى بالصبر… مثل الحجر.

وسنُغنّي على غصنٍ

لا يترنّح…

ولا ينكسر.”


همسوا بين أنفسهم:

“هيا، لنسافر… لقد كنا شاهدين،

ولن يسألنا أحد كيف تمّ العقاب.”


طاهر عرابي – دريسدن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .