الثلاثاء، 14 أكتوبر 2025

الرسالة دمعة وابتسامة بقلم الراقي عبد العزيز عميمر

 الرسالة: دمعة وابتسامة :

_رغبة ملحّة تجتاز كيانها،تحملها بعيدا،تصرّف ابنتها التي تبنّتها ذكّرتها في ابتسامتها وشعرها الطويل،بضفائره التي تحمي كتفيها وتزيد من شغف الطلاب،في عمر المراهقة.

يبدو بأن ابنتها بدأت تحبّ بناء على وصف الطالب الذي يدرس معها ،ويساعدها على تلخيص الدروس.

قرّرت الليلة الاتجاه إلى خلوتها، ونبش الماضي وحملت شمعة بعد تأكدها من نوم 

الجميع،لكنّها حذرة، وتترصّد وقع الخطوات أو أيّ صوت،لاترغب في معرفة سرّها ،شيء خصوصي لها

وحدها هي فقط، حافظت عليه طول المدّة الطويلة الماضية ،تراجِع الماضي لتفرح وتبكي! شيئان متناقضات ،لكن مقبولان ،ربما لتؤكد وجودها،أو لتعيد حبّها،او لنفي اتهامات الغير! بأنها منبوذة.


دخلت الغرفة الصغيرة في الطابق الأول،وأوصدت

الباب خلفها دون إثارة صوت ،فتحت الحقيبة الكبيرة

وفتحت عينيها بشدّة وامسكت الصندوق الصغير

فتحته،ايه! يازمان! حزمة من أغلفة الرسائل ،مربوطة

بشريط أحمر جميل ،هي تستدعي الماضي وتُغمَس وسطه ،حينما كانت طالبة في الثانوي،مراهقة، تتطاير

منها الحيويّة ،ويفيض النشاط بشعرها الطويل وعينيها

بلون وشاح البحر ،تفتح الرسالة!؟ تفتحها !؟ ما رأيكم؟

هي متردّدة ،وتظهر عزيمتها وتفتح الرسالة ،بدأ ورقها

يعلوه الاصفرار ، لكن عطرها الوردي مازال يتسرّب .


عزيزتي ( ،،،) يرفرف قلبي ويحملني فوق السّحاب،لا أشعر بوزني ،فقد ولدت اللحظة! لحظة رأيتك ،كنت أرغب في الحديث معك! لكن خفت من خجلي، ومن ردود افعالك،ومن نظرات الطلبة،وأحيانا أشعر أن ذلك حرام ! ولا يناسب فقير مثلي! رغم تقدّمي في الدراسة! لكن لااملك معطف الفرو ولا قفازات الطبقة،،،،التي تتقدّم وتلبّى رغباتها.

لا تخافي ،لا اريد شرّا ،لكن أشعر بأننا خلقنا لبعض،لكن 

جدار الطبقية يحول بيننا والسلك الشائك ،بروتوكول

الطبقية ،،املك الحبّ في يد والوفاء باليد الأخرى،لكن

المال عدّوي ،فأنا لم أغيّر المحفظة منذ ثلاث سنوات،والماء بدأ يتسرّب لحذائي فاحسّ بأصابعي

المجمّدة ،التي تعاتب الفقر وتلوم حياة غير منصفة

لمثلي ،تعطي بذخها للطلاب الأغبياء الذين يتدلّى لحمهم من سمنة مفرطة نزعوا نصفها مني فبانت عظامي،فكرّي بين فقر متوّج بحبّ، وبين مال متوّج 

بأنانية وبغض.

غدا نلتقي في الساحة أثناء الراحة، وإذا رأيت تجاوبك

فانني سأسير نحوك باستحياء وآمل أن تسعفني قدمي ، وان ينطلق لساني.

عاشق الشعر الطويل : ( ،،،)


تقرأ وتبكي! وتبكي ! كان ذلك منذ أربعين سنة.

رغم البكاء،والدموع غير المنقطعة كانت تضحك وتبتسم ،وتعود ثقتها بنفسها ،أنا جميلة! وقد أحبني! نعم،احبني! وجدت من اهتم بي! واخرجني للوجود!

عاملني بلطف لا نظير له! لقد امسك ذات مرٌة شعري

وفرّكه بأصابعه،وقال: شعر غال،يسترني واجد الراحة

عند لمسه،هو لصاحبة عيني البحر، أغطس وأبقى لا ارغب في الخروج،طمأنينة تامّة ،في جنّة الخلود،اتمنى أن اجد عملا مستقبلا واتزوجك،ونطير مثل النورس ونطير طيرانا شراعيا،الأجنحة تلامس بعضها والمناقير تتناوب على الأكل،ونقطف نجوم 

اللّيل لتكون تاجا لنا،ونقيم حفلة زفاف ،ندعو فيها 

الغزلان والعصافير وطيور البجع،ونستمتع بمقطع من سمفونية بيتهوفن ،والنوارس تحرسنا من السماء.


لقد فرّطتِ فيه،ليس ذنبي! إنهم أهلي، طغاة ،أسقطوا جمرتي في الماء بأنانيتهم ،فعمتهم على مصلحتي

تعود للبكاء،بعد طي الرسائل ،ووضعها في الصندوق،

لقد أصبحت عجوزا ،وتقرأ الرسائل فتتحوّل لمراهقة

شابّة تغار منها المرآة والعرائس ،هي الآن تعيش مع أخيها في مزرعة كبيرة،دون حبّ،ودون طائر النورس

ولا تجد من يذكر شعرها ولا عينيها، ايه حظوظ! 


أحيانا تندم فهي تعامل أخاها بعنف! ولا تشبعه كلاما

إلاّ جواب لسؤال ،لكن لا تكرهه بل تحبّه هو الوحيد الباقي من عائلتها،أحيانا تنظر إليه بعطف وشفقة،فهو متعاطف معها، هو يقوم بالعمل الزراعي ،وإدارة المزرعة،ورعاية الحيوانات .


وتودّ أن تقول له بأنها تحبّه! لكن لا تستطيع ،أغلال الرقبة وكمامة على الفم ،وكبت الماضي! أما الوجدان فهو فيّاض برقّة،فهي عطوفة ،وتحبّ الناس،لكن الزمان غدر بعينيها الزرقاوين ،ولم يهتم بضفائرها،مثل مراهقها الثانوي ،لذلك مازالت طيلة هذه المدّة تهتمّ بشعرها وتسرّحة وتضفي عليه مسحة عطور،ليبتهج

حبيبها أكثر بضفائرها ويعرف بأنها مازالت وفيّة 

وتنتظر في قدومه! كلما فتحت النافذة،وتعرف أن ذلك

جنون !! نعم جنون لكن تسترجع به حبّها.

تتمتّع بحنان يذوب عذوبة ورأفة لكن لا يخرج للوجود

ولا يلمسه الآخرون وتتهم بقساوة القلب والمتعجرفة،

وهذا ما يعذّبها لذلك تلجأ للصمت في أكثر الأحيان.


لكن مع عملية التبني للبنت زال الكثير من همومها

وعوّضته بحب البنت،اعطت كل اهتمامها لها،فصار لها

امل في الحياة،وربما تتخيّل بأنها تزوّجت من حبيبها

وهذه البنت ثمرة ذلك الزواج وهذا ما يوحي به اللاشعور وتقبله مسرورة ،فهي امّ حقيقية ! نعم تزوجتُ ! أقول لكم تزوجتُ وانجبتُ بنتا جميلة

مثلي بلون عينيّ فالمراهقة تعيش في صورة ابنتها ،وصدقوها هي أمّ وفخورة بامومتها ،والبنت هي لزوجها الذي فرّك شعرها قال فيه ما قال،لذلك فهي من حين لآخر تدخل للثانوية وتقف في مكان زوجها،تحت شجرة اللوز، وتكرّر ما قال حبيبها المراهق! ،بعد أخذ غصن صغير من شجرة اللوز ،تضعه في مزهرية مع الماء وقليل من السكّر، وتراقب طول الوقت ذلك الغصن،عف

وا ذلك المراهق الحبيب .


الكاتب الجزائري عبدالعزيز عميمر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .