الأربعاء، 8 أكتوبر 2025

لظى الخمول بقلم الراقي طاهر عرابي

 "لظى الخمول"

قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي

دريسدن – 05.09.2019 | نُقّحت 09.10.2025


العصفور في هذه الصفحات ليس طائرًا عابرًا، بل مرآةً للأحاسيس والوجود.

يحمل بين جناحيه أسئلة الحب والبهجة والغربة، ويأخذنا في رحلةٍ بين الداخل والخارج، بين الجسد والروح، حيث نختبر حدود صمتنا وهشاشتنا ووعينا العاطفي.


قصيدة «لظى الخمول» تطرح السؤال الأزلي: ماذا لو ذهبنا قبل أن نأتي؟

لماذا نخشى نداء السعادة، حتى ولو كان مفاجئًا؟

أغوص معكم في صدى الكلمات، لنشهد سقوط الحجر، وذبول الربيع، ونُصغي لتغريد العصفور، الذي رغم كل شيء، يبقى شاهدًا على ما نفقده حين نغفل عن حضورنا الكامل في الحياة.


«لظى الخمول» 


1

من قلب الربيع المنتهي،

أو من أطرافه المتَّسخة بالثلج والوحل،

طلَّ عصفور جميل مغرِّد، اكتسى ريشًا ملوَّنًا،

كأنه في عرسٍ لأمراء الأساطير،

يدعونا لفعل شيءٍ يشبه بهجته.


كيف له أن يدعونا؟

لم نكن مستعدين لتفسير الأحاسيس.

لا عرس لدينا، ولا مشاعل تضيء النهار

لنبدأ بحكايات الأساطير الجميلة.

الربيع جاء لأزهار التفاح…

أمّا نحن فلا زهرَ لنا،

ولا ثمرَ نخشى أن يفسده.


نهرناه، والتفتنا إلى أحلام اليقظة،

التي تشبه أحلام الليل، ولا خلاف:

ثعبان يبتلع اليد اليمنى،

والفم مغلق حتى الصباح،

والعصفور يغرد كحجرٍ مجروح،

من لظى بركانٍ خمد ونُسي.


هذا العصفور الملوَّن جاء للفتنة،

لا ينقصنا شيء،

والغرابة أنه يغرد حسب ما نهوى،

وقت الشعور بالمتعة.


كنّا بالجسد في البيت،

ومع الأحاسيس في الحديقة المهجورة طيلة الشتاء،

فرّقنا بينهما كي لا نغرق في صراعٍ عاطفي.

نبكي على الورد المتجمِّد، والشجر اليابس،

أو نفهم الحبَّ أو النفور في وعاء البهجة،

والكل يرى صورته معكوسةً بضباب الوعاء.


ننتظر لحظاتٍ لنتحرر من قيود الأوهام الرخيصة…

لا أحد يعذرنا، ونحن لا نعذر العصفور.


2

جاء العصفور يحمل الحب، قالوا بعد أن أفلسوا،

إنه يغني كأنه عاشقٌ أهوج،

ويطرق أبوابنا بابتسامة.

أرهق مسامعنا الصامتة…

أكان الصمت يتألّم؟ أم نحن من ظنَّ ذلك؟


وسط صمتنا يعفِّر التغريد شوائب الضجر،

يمرغ مسامعنا بطيش البهجة،

يطوينا مثل ورقةٍ نسيها الخريف على غصن،

يصرخ، علَّه ينجو بربيعٍ جديد.


يا لظى الخمول!

كيف ننتصر على سواد المرايا، وننأى عن إشعال فتيل المصباح؟


صار الغرباء سطوةً،

واستغربنا من أيّ اتجاه ننظر إليه،

فكانت الغرابة أشدَّ ألمًا من ابتسامةٍ ضائعةٍ عن زمنها.


لم نعتد نداءً طاهرًا،

ولا سكينةً تأتي بلا شروط.

كيف عاش في الصقيع ولم يشتكِ،

ونحن نرتجف تحت الحاف؟

ما أرخص التغريد إن لم يكن من القلب.


نُشكّك بوضوح الرسالة،

في زمنٍ يُغتال فيه نضوج الفكرة.

حتى حبّات القمح لم تكن هدفًا له.

نحن واثقون أنه غريب،

بعد أن سمّينا كلَّ شيءٍ قدرًا،

ومضينا نتعثّر، نتألّم، نتكسّر،

إلّا خيانتنا للحب، التي لمسناها،

فتذوّقنا فيها نصرًا بطيئًا،

فيه نصف لوعةٍ ونصف حذر،

وكلاهما سمّيناهما قدرًا عابرًا.


3

نبتهج لأن الشتاء كفَّ يدينا،

وتركها تسترخي قرب المدافئ.

نُقصي الطيور، ونغتال النور في أعينها،

ندلّها على الغيوم السوداء، والضباب المكسور من شظايا السماء،

لكي لا تعود مبكّرة.

فالليل لا يصلح لتعدّد الأشياء،

حتى لو كانت طيورًا لا تستهلك من الهواء ما نحتاجه…

فهي أقرب إلى فوضى السكينة.


لماذا يُحرجنا العصفور؟

لماذا يُخيفنا السؤال عن الفرح؟

نحن نبات ليلنا، وفي فمنا الشجار،

نُخفي إرثه من أيّامٍ محروقة،

نحبُّ العتاب ومباريات الجدل،

فكيف لعصفورٍ أن يبادلنا القُبَل؟


نُداري هشاشتنا بقبضةِ غضب،

نلوِّح بها في فراغ النفس،

نُغلق أبواب القلب حتى على نسيمٍ عابر.

صدود، وعود، ردود…

وكلّ سيّءٍ يزداد.


نطرد الورد من حدائق الكلام،

نستهجن همس السواقي،

ونرى ظلَّنا يتراجع خلفنا ويذوب بلا وداع.


كان صخبُ صمتِنا مؤلمًا،

تحرِّكه أعاصير الخيبة وتمنعه من الوصول.

وهو السقوط معنا في وعاء الإرادة.

وفي الزاوية، ليس أبعد من صرخةٍ:

العصفور يموت… ولا نأسف.


4

نحن لا نريد من يُخبرنا أن القلب لا يُفتح

بأمر عصفور،

ومن لم يُبصر أخاه سعيدًا،

لن يعرف يومًا ما إذا كان هو سعيدًا.

فالعصافير غفواتها، ولنا الصبر.


لسنا أغبياء،

لكننا لسنا سعداء أيضًا.

ننتظر، ونتمنى لكلٍّ منّا أرضًا وسماء،

ليكون فريدًا في حواسه.

البهجة لا تنضج ونحن فرقاء.

ربما نخشى، وربما نضعف،

وربما لا نشعر أن العصفور قد مرَّ،

وأن الصيف انتهى قبل أن يبدأ.


الحواسُّ مرآةٌ خلفيةٌ للروح،

علينا أن نفكّر كيف نأتي بالمرآة من الخلف.

ما أبشعنا إذا ظهرت الأحاسيس مرئية،

ورأينا عبثًا لا نفهمه.


ما أخطر أن نذهب قبل أن نأتي،

دون صدى، مثل حجرٍ تدحر

ج من قمة الجبل،

غرق في ماء النهر،

فنفرت منه الأسماك،

ولم يستقرَّ إلّا بذنب.

من يشتري ذنب الحجر؟

لن يكون سعيدًا من التراب.


طاهر عرابي – دريسدن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .