من قلب الصمت
بقلم: سيد حميد عطاالله الجزائري
هل هذه توائم متماثلة؟
أم استنساخ رملي لحباتٍ وُلدت من رحم الريح، تشبه بعضها حتى لا يُعرف الأصل من النسخة؟
ذلك الكثيب المهيب، كأنه جيش من البلور الأصفر، يزحف ببطءٍ نحو المدى، يأكل الأرض بحجم حبّاته المتناهية في الصِغر،
يبتلع الوديان، ويُعاقب الخُضرة لأنها لم تتعلّم قانون الصبر في العطش.
من علّم الرمل أن يكون قاتلاً وجميلاً في آنٍ واحد؟
من لقّنهُ هذا التناقض العميق بين المكر والسكينة، بين العدم والاكتمال؟
هل هي بنات الجبل؟ أنجبهنّ ثم مات، فصرنَ يرثينهُ في كل هبة ريح؟
تتحرك الجبال في ذاكرتهن، فيرتجف الأفق كأنه يتذكر أول زفرة للأرض.
الريح وحدها تعرف غضبهن، فإذا مرّت عليهنّ صرخنَ كالوحوش الجائعة،
وإذا حاولت أن تروضهنّ، انتفضنَ كجسدٍ واحد،
يريد ابتلاع السماء، كأنّ الصحراء قرّرت الانتقام من الهواء الذي أنجبها.
لا تُحبّ الرمال الآثار،
فهي لا تريد أحدًا يسجل ملامحها،
كل أثرٍ عليها جريمة في نظرها،
تمسحه بيديها الكثيفتين كأنها تقول: "الخلود لي، لا لأقدامكم".
لونها الأصفر ليس لونًا فحسب، بل صلاة للشمس،
انعكاسٌ لأبديةٍ تتجسد في أبسط الكائنات.
راقصات على منصةٍ كونيةٍ اسمها الصحراء،
كل موجة رمل رقصة، وكل رقصة عمرٌ يُعاد ترتيبه من جديد.
ولها ثقافتها الخاصة، لغتها غير منطوقة، لكنها مفهومة للقلوب الصافية.
من يقيم فيها طويلاً يبدأ بسماع حكاياتها الخفية،
تحدّث عن مدنٍ دفنتها تحت النسيان،
وعن أحلامِ بشرٍ تاهوا فيها، فصاروا ذراتٍ في جسدها العظيم.
الشعوب التي عبرتها لم تكتب عنها إلا بأشعارها وقوافيها،
أمست الصحراء ديوانًا لا يكتب، بل يُقرأ بالبصيرة.
ديوانٌ من سكونٍ مقدّس، فيه تتكلم الأرواح قبل الألسنة،
وفيه تنطفئ ضوضاء العالم، لتشتعل فكرة الله.
وليس لها ملامح،
بل هي الملامح جميعها حين تتلاشى الحدود.
طرقها ليست من تراب، بل من ضوءٍ ونجومٍ وخوف،
ومن دخلها بلا بوصلة القلب كان وليمةً سهلة لغضبها الأبدي.
إنها لا تضل، لكنها تضلّل،
تريك السراب لتذكّرك أنك عطشان، وأن الظمأ هو المعنى الأول للوجود.
في الليل، تتحول إلى مرآةٍ كونية،
تتزين بالنجوم كعروسٍ ترتدي المجرات،
تسهر لتسمع أنين الكواكب، وتدفئ أحلام العابرين.
وفي النهار، تصير محكمة للضوء،
كل شعاع يُحاكم، وكل ظلٍّ يُنفى، فلا ينجو إلا النقاء.
هل رأيتَ كيف يكون الرمل كائنًا يتفلسف؟
كيف يُعيد تعريف الوجود من خلال الفراغ؟
كيف يجعل من الصمت لغة، ومن الحركة ميتافيزيقا،
ومن العدم معبدًا للمعنى؟
الصحراء ليست سكونًا، بل زمنٌ يفكر،
مكانٌ ينكر الحدود، ويرسم فلسفة الخلق الأولى حين كانت الأرض كتلة ضوءٍ في يد الله.
كل كثيب فيها نبيٌّ صغيرٌ يتأمل سرّ البقاء في وجه الفناء،
وكل عاصفة وحيٌ يذكّرنا أننا من ترابٍ نُعيد ترتيبه إلى الأبد.
أليست هذه مفارقة؟
أن يكون الرمل ظلّ الأبدية،
وأن يكون الفراغ أصدق المرايا؟
أن نضيع فيها لنجد أنفسنا،
وأن نُمحى من خريطتها لنُكتب في ذاكرة الكون؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .