الجمعة، 17 أكتوبر 2025

سر البقاء بقلم الراقي طاهر عرابي

 "سرّ البقاء"

قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي

دريسدن – كُتبت في 20.09.2023 | نُقّحت في 17.10.2025


كتبتُ «سرّ البقاء» وأنا أراقب هشاشتنا أمام الأرض التي تحتملنا بصبرٍ عجيب.

كنتُ أفتّش في صمت الأشياء عن معنى يدوم، عن خيطٍ خفيّ يربط الحياة بالوعي، والإنسان بصفائه الأول.

لم أكتب عن البقاء كزمنٍ طويل، بل كبذرة صدقٍ مع الأرض ومع أنفسنا.

نحن نظن أننا الخالدون، بينما الحقيقة أن الأرض هي التي تبقينا، وتغفر لنا عبثنا في كل صباحٍ جديد.

أردتُ بهذه القصيدة أن أقول: إن البقاء ليس امتيازًا نملكه، بل مسؤولية نسكنها —

مسؤولية أن نفرح الأرض… لتفرح الحياة.

نغفل ونصحوا، وما بين الغفوة والصحو يمرّ ضوء الحياة،

نتبعه بتكلّفٍ ينسانا، ويمسك بالآخرين… حيث كنّا يومًا منهم.



سرّ البقاء


اكتفِ بما في يديك،

فما بعد الآن… أقلّ من القليل.

انظر إلى الساعة:

الزمن لا يتلكأ،

ولا يحاور الصامتين،

ولا يترك إلا فجواتٍ

في من غفا بنهاره،

أو بات ليله مع الحالمين.


ليس في الساعة تفاحة،

ولا عنقود عنب،

بل خُيِّل إليك أنّها حديقة

لِمرحِ البهجة في واحة السنين.


فكِّر: هل تصلح لشيء؟

سيأتي الزمن الذي كنّا ننتظره،

لكن هل كانت الخطة أن ننتظره فقط،

ثم نغرق في الماضي وجماليات الغفلة؟

إن كان الأمر كذلك،

فلنخشَ المستقبل،

أو نقبل بأن نكون أسرى التفاهة، نحارب اليقين.


الأرض هي الحياة،

فكُن لها لتكن عظيمًا.

العطاء لا يحدّه الثراء،

والسعادة لا تحدّدها سرعة الخطوات.

تعمُر السلاحف ببطئها،

حيث الإرادة تصنع القوة.

اتّبع طريقًا لا يؤذي القامة،

ولا يمسخ الهدف،

ولا يشوّه سكينة السلام

في براعم الورد وأصابع العاشقين.


تذكّر:

منذ ولادة الأرض،

نحن مجرّد فكرة

في كرم العطاء الإلهي.

نتسوّل العطف من الأشجار،

والماء والهواء… من أجل البقاء.

كبرنا، وازداد شوقنا للظلال المخملية،

لكن أزهار الحياة لم تتوقف عن الحياة،

ولا رائحة الأرض في صباحاتها السخية،

ولا انهزمت أمام الضباب أو الدخان.


فلا تعبث بما يجعلك مسكينًا

في آخر الأمر.

كُن كمن يسرق الندى ليسقي نخله.

هذه الأرض لن يجرّها ثور إلى حفرة،

ولن تدفنها رمال الصحراء.

إنها ممتلئة القوام، شهية،

تحمل نفسها بنفسها… مثل الحياة.

لن يبتلعها حوت أزرق،

ولن نغيّر لون البحر:

سيبقى أزرق… بلون عُرسٍ لأرضٍ أزلية.


مساكين نحن البشر،

نفكّر بأننا باقون،

ونظن أننا سنقلب الأرض إن غضبنا،

نفتيتها ونتقاسمها،

ونحدّد من نحب أو لا نحب.

لكن كيف عرفنا ذلك؟

نحن مجرّد فكرة،

عاجزون عن الشكر… فلنعترف.

لن نوقف نبض الأرض

حتى لحظة واحدة

كي نشعر بانتصارٍ مزيف.


والحياة تمضي،

كأنها تعرف سرّ البقاء من أجلنا،

حتى ولو كنّا في طرف الأرض غوغائيين،

وعابثين بفكرة الخلود.

فمتى ندرك سرّ بقاء الحبّ

من أجل الحياة، ومن أجل الأرض؟

فلنفعل ما يُفرح الأرض… لتفرح الحياة.


أتينا وكأننا زهرةُ تفاحٍ عملاقِ الشهوة،

وسنرحل وكأننا غصنٌ لفّه العمر،

فصار حطبًا لا يتذكّر شيئًا من التعب.

ما أهونَ أن ن

ظنَّ أن الغفوةَ تُشبهُ ليلًا بلا أحلام،

وهي — في حقيقتها — أحلامٌ بلا ليل.


طاهر عرابي – دريسدن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .