قنديل فاطمة
كانت فاطمة كل مساء، تشعل قنديلا صغيرا في عتبة الدار، وتنتظر.
لا أحد كان يدري تماما مَن تنتظر.
القرية كانت تعرف أنها فقدت أباها في البحر ذات شتاء قديم، لكن انتظارها بدا أكبر من أب غاب في عاصفة، أو أخ رحل ولم يعد.
كان في انتظارها شيء يشبه الصلاة، أو النداء، أو الحنين الذي لا اسم له.
قال لها جدها ذات مساء:
– فاطمة، البحر لا يُعيد الغرقى.
فابتسمتْ، وأجابت:
– لكن القناديل قد تَهدي مَن أضاع الطريق.
في كل مساء، تتأرجح شعلة القنديل، كأنها قلب صغير لا يريد أن ينطفئ.
كانت الريح تلعب بأطراف ثوبها، وتبعثر شعرها المربوط بشريط أزرق.
وكان الغيم يتثاءب فوق رأس الجبل، بينما القمر يحاول أن يُطل خجولا من بين الأغصان اليابسة.
مرَّت سنوات.
كبرت فاطمة، ذبلتْ عيناها قليلا، لكنها لم تُطفئ القنديل.
قالت نساء القرية: "مجنونة تنتظر وهما."
وقال الرجال: "ستتعب وتنسى."
لكن فاطمة كانت تعرف ما لا يعرفونه: أن الذين يُطفئون قناديلهم، لا يرجعون.
وفي مساء شتائي، سقط القنديل من يدها.
كانت السماء حبلى بالرعد، والريح تملأ فمها بالعويل.
ركضت فاطمة نحو الجرف، فوق البحر مباشرة، وصرخت باسمه، اسمه الذي لم تبح به لأحد:
– عائد... عائد...
لم يُجِبها أحد.
لكن القنديل الذي انطفأ، أضاء فجأة في الأعماق.
في صباح اليوم التالي، وجدها الصيادون نائمة عند الجرف، وثمة ابتسامة غريبة على شفتيها.
كانت يدها تُمسك بصدفة، وفي داخلها ورقة صغيرة كُتب عليها بخطٍّ مالح: "يا مَن انتظرتِني حين نسيَني الجميع...
قناديلكِ هدتني.
أنا البحر
... وكنتِ شطِّي البعيد.. "
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .