"الصفر هو بركان غزة"
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – 06.02.2025 | نُقّحت في 10.10.2025.
في عالمٍ تتناقص فيه القيم كما تتناقص الأرقامُ في معادلةٍ خاسرة،
يولد “الصفر” من جديد، لا كرمزٍ للعدم، بل ككلمةٍ أولى في معجم البقاء.
هنا لا يكون الصفرُ فراغًا، بل شرارةً تشتعل في ضمير الأرض،
وتنطق باسم مدينةٍ صغيرةٍ تحمل الكونَ في راحتيها: غزة.
القصيدة تمضي في رحلةٍ من العدم إلى الوجود،
من الصمت إلى الانفجار، تجعل من الإنسان مرآةً للصبر، ومن الحجر شاهدًا على نبض الحياة.
وحين تصير الأرقام رمادًا،
يبقى الرقمُ الوحيد الذي لا يُقسَم — هو الكرامة.
هذه ليست قصيدةً عن الحرب، بل عن الميلاد من الصفر، حيث تكتب غزةُ تاريخها لا بالحبر،
بل بالحمم التي تُضيء وجه الحقيقة.
⸻
الصفر هو بركان غزة
1
في زمنٍ تُختصر فيه العدالةُ إلى أرقام،
هذا زائدٌ، وهذا بالنقص،
ومؤتمراتٍ تُلغي الوجود،
وتُمحى السطورُ الطويلةُ وتُثبَّتُ نقاطٌ على الألسن،
وغزةَ الرقمَ الذي يرفض أن يُقسَم.
الصفرُ هنا ليس فراغًا، بل شرارةٌ
تشعل القلبَ وتوقظ الحُلمَ المتمترسَ بالحق،
ولا يهمُّ إن كان القلبُ يقظًا أم نائمًا.
فكلُّ ما يجري في العروقِ ليس موتًا،
بل رحمٌ لميلادٍ واحد:
فرحيلُ الزيتونِ أشبهُ بعودةِ الكونِ إلى غبارٍ.
أن تبقى… في ميلادك صوتًا وصورةً،
وقلادةُ المكانِ تُزيّنه بخُطاك.
2
حين يضيق بك العالم،
ويحاصرك مَن ترجوه أن ينقذك،
فأنت خارجُ المعادلةِ النزيهة؛
معادلةُ البقاءِ مضروبةٌ بالنقاء،
فيُشعِروك أنك غبارٌ في ريحٍ صمّاء.
ترى الزوبعةَ تلتهم نفسَها وتلتهمك
في سباقٍ نحو الفناء.
حجرٌ منسيٌّ تحت قُبّةِ السماء،
تحته الأرضُ، وعقربٌ يرى الحجرَ بيتًا،
والأرضَ وسادةً يخشى عليها من الغفوة.
مركبٌ راحلٌ إلى حيثُ تنتهي النهايات،
بلا موعدٍ للمسير،
ولا محطاتٍ لانتظار المساء.
أنت وحدك لا تنتظرُ سوى نفسك.
حين يصير الحسابُ صفرًا،
ويغدو الجمعُ والضربُ عبثًا،
فالطريقُ مغلقٌ، والقيمةُ ملغاة،
محاطةٌ بعلاماتِ الاستفهام،
والكلُّ غافٍ عن رقمٍ يبدو عدمًا،
وما هو إلا العِلمُ حين يغيبُ الفهم،
وتتكسرُ العلاقاتُ الآدمية
بين طرقِ القسوةِ وخشونةِ الكذب.
أنت وحدك تملك النتيجةَ التي تصونك،
حتى ولو كان الجدارُ صفرًا،
والصوتُ صفرًا،
والكذبُ عملاقَ الوهم،
يحملُ في جوفِه صفرَ الوجودِ الأُممي،
وفيه يذوبُ كلُّ مَن ناداك في الفراغ.
أنت الوحيدُ الذي يرى الحجرَ رمزَ الوجود،
ويرى الصدقَ نبوءةَ الحياة،
ومن يراك يرى الوجودَ راسخًا في أعماق الكون.
والصفرُ أنت — لا تهادن، لا تراوغ،
لكنك وحدَك القادرُ
أن تُفجّر من قلبِك بركانًا،
يَشقُّ الحساباتِ المدفونةَ تحت أكوامِ الخبث،
ويُعلنُ أنَّ للحريةِ ثمنًا اسمه: أنت.
3
هكذا تفعلُ غزةُ حين تصمتُ طويلًا،
ثم تفيضُ بالحمم، وتكتبُ بالانفجار:
لا صفرَ يقوى على منحِ الحياةِ هويّة.
كم أشتَهي أن أرى المارقينَ
ينهارون على عتبةِ الحقيقة،
يمدّون أيديَهم نحو الفناء،
بعد أن خانوا، وسقطوا من المعنى.
وغدًا تعودُ غزةُ الرقمَ الصعب،
خارجَ منطقِهم البائسِ الكالح،
ماضيةً نحو الحياة، بلا خوف،
بلا عودةٍ للظلِّ المسكينِ
تحتَ شجرٍ مستعارٍ ومنابرِ الخطباء.
هنا فلسطين، وعنوانُها: غزة،
إمّا أن ينفجرَ البركان،
أو تعودَ العقولُ إلى الرؤوس.
لأوّلِ مرّةٍ تُفرغُ رؤوسُ القادة،
في عالمٍ ينسحبُ من الأخلاقِ طوعًا،
يتلفّتون تحت بساطِ الإخفاء،
ويتوسّلون أن تُنهي غزةُ نفسَها.
أرهقَهم صراخُها حين قالت:
هنا… وهنا… وهنا، وُلدَ البقاء.
لا تستهينوا،
ولا تنفثوا على القيمِ ريحَ الغطرسة؛
فهنا يرتفعُ العلمُ لفلسطين،
وهنا، على خاصرةِ الحمم،
وُلِدت غزةُ بحرًا لا يهدأ، ولا يُكسر.
فمَن ذا الذي ينتظر… والحممُ تنطق؟
فلسطين، يا آيةَ التاريخ،
وعنوانَ الغيرةِ على الكرامة،
احملوا ضغينتَكم على الأشواك؛
غزةُ زيتونةٌ بحرية،
بجذرٍ تمرّسَ في التحدّي،
تُزلزلُ الأرضَ وتصبحُ جسرَ الحرية.
كفُّها الحُب… وأنت؟ كفاك
؛
إيّاك أن تبقى خارجَ معادلةِ الكرامة؛
ستموتُ حيًّا وتموتُ ميتًا،
وتُنسى قبلَ ذوبانِ الكذبِ على الشفاه.
طاهر عرابي – دريسدن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .