الثلاثاء، 9 سبتمبر 2025

أغرق لأعيش بقلم الراقي عبد الرزاق حمود الجعشني

 🌊 أغرق لأعيش 🌊


يا بحرُ يا من في أحشائِكَ تُولدُ الحِكمُ وتغيبُ الأسرارُ ها أنا أتوسَّدُ أمواجَكَ العاتيةَ كطفلٍ يتيمٍ يبحثُ عن دفءٍ في صقيعِ العواصفِ


سفينتي التي بنيتها من أوهامي تشققت أخشابُها على صخورِ الغدرِ وشراعُها الممزقُ لم يعدْ يحتملُ نفاقَ الرياحِ حملتُ عليها كلَّ أحلامي كبحارةٍ مخدوعينَ فإذا بهم يسرقونَ المؤنَ ويتركونني في محنةِ الأعماقِ


يا بحرُ أنتِ القبرُ الذي يمنحُ الحياةَ أنتِ النهايةُ التي تبتدئُ منها البداياتُ في قيعانِكَ السوداءِ سأزرعُ قلبي كلؤلؤةٍ تبحثُ عن صدفةٍ سأطلقُ أنفاسي الأخيرةَ كفقاقيعَ ذهبيةٍ تروي أسرارَ الأعماقِ


الغرقُ عندكَ ليسَ موتاً بل هو ولادةٌ من رحمِ العتمةِ هو تحررٌ من قيودِ البرّ الخائنةِ هو نقاءٌ هو حقيقةٌ لا يعرفُها إلا منْ ذاقَ مرارةَ اليابسةِ


خذني إليكَ فقد سئمتُ وجوهَ البشرِ المتحجرةِ سئمتُ الأكاذيبَ المذهبةَ سئمتُ عيوناً تبتسمُ بشفاهٍ وتطعنُ بقلوبٍ


في مملكتِكَ الزرقاءِ سأكونُ سلحفاةً عجوزاً تحملُ على ظهرها تاريخَ المحيطاتِ سأكونُ حوتاً أزرقَ يغني أناشيدَ القدمِ سأكونُ شعاباً مرجانيةً تروي للقادمينَ حكاياتِ الغرقى


الموجُ يرسمُ على جسدي سطورَ الرحيلِ والأسماكُ تتلألأُ كشموسٍ صغيرةٍ تُضيءُ طريقي إلى الأعماقِ ها هيَ ذكرياتي تذوبُ كملحٍ في محيطِ النسيانِ وها أنا أصبحُ طفلاً من جديدٍ بلا ماضٍ بلا وجعٍ


يا بحرُ أنتِ الأمُّ الحنونُ التي تحتضنُ أبناءَها بلا شروطٍ أنتِ الحبيبُ الذي لا يخونُ أنتِ الوطنُ الذي لا يطردُ أبناءَهُ


سأغرقُ فيكَ لأني أعشقُ النقاءَ سأغرقُ فيكَ لأني أبحثُ عن نفسي بينَ أمواجِكَ سأغرقُ فيكَ لأنكَ المرآةُ التي تعكسُ روحي دونَ أقنعةٍ


الغرقُ عندكَ ليسَ انتحاراً بل هو انتصارٌ على عالمٍ مزيفٍ هو رفضٌ لكلِ الأقنعةِ هو صرخةُ حريةٍ في وجهِ قيودِ البرِّ


سأغرقُ لأعودَ إنساناً كما خلقني اللهُ نقياً حراً جميلاً


🖋️ بقلم: عبدالرزاق حمود الجعشني 🇾🇪 من أعماق اليمن السعيد 🌅 9/9/2025

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .