الثلاثاء، 16 سبتمبر 2025

من قلب المنفضة بقلم الراقي سيد حميد عطا الله

 من قلب المنفضة 

بقلم: سيد حميد عطاالله الجزائري 


إنها ليست منفضة… إنها نسخة مصغّرة من العالم، مقبرة دائرية تحتضن ملايين النهايات.

كل سيجارة تُطفأ فيها ليست مجرد تبغٍ احترق، بل عمرٌ قصير انتهى على عجل، نفسٌ بشري احترق قبل أن يكتمل.

إنها رحمٌ معكوس، لا يلد حياة بل يلد موتًا متكررًا، يبتلع ما تبقى من أنفاس متعبة، ثم يسجّلها في دفتر رماده.


في بطنها المتسخ رماد يشبه غبار المقابر، أعقاب صغيرة كعظام هشّة متناثرة، رفات أرواح دخانية ما لبثت أن تلاشت في الهواء.

تنفث الغرفة منها روائح الفناء، كأنها بخور أسود يعلن أن الإنسان بارع في صناعة نهايته بنفسه.


تجلس المنفضة كحَكمٍ أبدي، تراقب الأيدي وهي تشتعل ثم تنطفئ، كأنها ترى أمامها طقوس القرابين القديمة:

سيجارة تُشعل كشمعة، تُلتهم ببطء، ثم تُلقى ذبيحة في جوفها.

هكذا تتكرر المأساة عشرات المرات، بلا توقف، بلا خلاص.


وحين تُركل المنفضة، ويتناثر ما في داخلها على الأرض، كأن يوم القيامة قد حلّ: رماد يتطاير كغبار النجوم الميتة، أعقاب تتدحرج كجماجم صغيرة، ورفات لا يجيد أحد لملمته.

كل ركلةٍ تكشف أن العالم هشّ، وأن الموت دائمًا أقرب إلى حذاء عابر.


الندوب التي تملأ جسدها ليست صدأً يأكلها، بل مريضة بالسرطان المعدني، تئنّ من عبث البشر، وتتمنى لو كان لها فم لتلفظ كل ما ابتليت به.

 في كل خاصرة منها خرائط للحروق ، شهادات على أعمارٍ انطفأت، على قلوبٍ أُحرقت عمدًا.

إنها شاهد قبر صامت في قلب غرفة الضيوف، لا يقرأه أحد، لكنه يقرأ الجميع.


المنفضة ليست أداة… إنها فلسفة من رماد:

تقول لك إنك لست سوى سيجارة تمشي على قدمين، يلتهمك الوقت كما يلتهم النار ورق التبغ، وتنتظر دورك لتُطفأ في حفرة صغيرة، ينسى الجميع مكانها بعد حين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .