الخميس، 11 سبتمبر 2025

زلزال في حقيبة بائسة بقلم الراقي سيد حميد

 زلزال في حقيبةٍ بائسة

بقلم : سيد حميد عطاالله الجزائري 

تلك ليست مجرد حقيبة، إنها مقبرة صغيرة معلّقة على ظهره. من الخارج تراها عادية: جلدٌ متآكل، سحّاب يئن، ورائحة غبار مدرسي. لكن ما إن تفتحها حتى تنكشف لك ساحة معركة لا تنتهي.


الكتب هناك لا تجلس بهدوء؛ إنها جيوش متخاصمة، كل كتاب يريد أن يثبت أنه الأهم: كتاب الرياضيات يصرخ بأرقامه الجامدة، كتاب التاريخ يضرب الطاولة بملوكه وحروبه، كتاب العلوم يتبختر بمعادلاته ومجرّاته، بينما كتاب اللغة يقف في الزاوية ينوح كالشاعر المكسور. كلها تتشابك كخصوم في ميدان قتال، ولا أحد منها يخرج منتصرًا.


أما الدفاتر، فقد انتهى بها الحال إلى عجينة ورقية، أوراق محشورة ببعضها حتى فقدت ملامحها. الغلاف ممزق، الحروف مطموسة، كأنها رسائل غارقة في بحرٍ لم يقرأها أحد. كانت ذات يوم مساحات بيضاء حالمة تنتظر الحبر، والآن صارت مسحوقًا يابسًا بلا ذاكرة.


والأفلام التعليمية والقرطاسية؟ مأساة أخرى. الأقلام محشورة في قاع الحقيبة مثل سجناء، بعضها مكسور، وبعضها نزف حبراً فاختنق الورق من حوله. المسطرة عرجاء، الممحاة مطموسة الملامح كوجهٍ فقد هويته، وأشرطة الصور والملصقات صارت خرقًا ممزقة.


الحقيبة إذن ليست وعاءً للعلم، بل معسكر اعتقال. الأشياء كلها تختنق في الداخل، تصرخ ولا يسمعها أحد. والتلميذ؟ يجرّها على ظهره بلا اكتراث، يضعها في زاوية الغرفة كأنها كيس قمامة، ينسى أن في داخلها حربًا شرسة، أو زلزالا أسقط جميع آماله دفعة واحدة.


المفارقة الساخرة أن هذه الحقيبة تشبه عقل صاحبها: فوضى، معارك، أصوات متداخلة لا يعرف كيف يصالحها. لم يتعلم النظام، لم يفتح صفحة ليصالحها بالحبر، لم يصغِ إلى كتاب يطلب مكانًا لائقًا. ترك كل شيء يتصارع بالنيابة عنه.


إنها صورة مصغّرة عن المدرسة، عن الدولة ، عن المؤسسات أنفسها: واجهة أنيقة من الخارج، وفوضى خانقة في الداخل. حقيبة صغيرة، لكنها تحمل على ظهرها مأساة جيل كامل، جيل لا يقرأ كتبه بل يسحقها، لا يكتب دفاتره بل يهرسها، لا يستعمل أدواته بل يخنقها.


ربما لو فتحت الحقيبة جيدًا، لسمعت الكتب تشتكي:

– "لماذا وضعتنا هنا؟ نحن لم نُكتب لنموت متلاصقين!"

وربما سمعت الدفاتر تئن:

– "أعطنا صفحةً واحدة فقط نُبعث فيها من جديد."

لكن التلميذ لن يسمع. هو مشغول بالشاشة التي صارت حقيبته الحقيقية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .