الجمعة، 12 سبتمبر 2025

أسطورة الحياة بقلم الراقية كريمة احمد الأخضري

 #خاطرة:

"أسطورة الحياة "


رغم الضيق، كنت أتحرك بحرية عظيمة. لا أحد يحاصرني في بطن أمي، كانت تحتضنني وتحميني من عالمٍ تخشى أن أخرج إليه. لم أشقَ يومًا؛ تمدني بطعامها وتسقيني من دمها، وتتلمسني بيدها الحانية، تخاف عليّ رغم أنها لم ترني بعد.

كنت ملكًا على نفسي بلا حاشية، ومع ذلك كنت مشغوفًا بلحظة الخروج، أترقب رؤية الحياة التي رسمتها في خيالي: بيضاء كبياض الياسمين، عابقة برحيق الورد وشذى البيلسان، صافية كسماء يشرق وجه الشمس فيها بالدفء، مضيئة كنجمة تتلألأ بين الخلان.

تخيلتها بلا مطبات ولا عثرات، مليئة بالمحبة والضحكات، تعلو فيها أصواتنا بترنيمة: ما أجمل الحياة!


هكذا بدت لي في بطن أمي... أسطورة الحياة.

لكنني حين خرجت إليها، أتيت باكيًا منذ اللحظة الأولى! وكأني أدركت ساعتها أنها مجرد أمنيات زينها الوهم.


صدمتُ بالسواد الذي يلفّها. أين بياض البساط؟ أين رحيق الزهور؟ أين نقاء القلوب؟

لم أرَ إلا جوعًا وبطونًا خاوية، وجوهًا شاحبة، وخوفًا يفتك بالقلوب.

الموت يجوس في الطرقات، يخطف الصغار والكبار، لا يرحم أحبابًا ولا غرباء.

وفي الطرف الآخر، يجلس السيد على كرسيه الوثير؛ إشارة من أصبعه تكفي، فيكون له ما يريد. يحكم بقبضة من حديد، ولا يجد راحته إلا حيث يسكن الحزن، يعشق أنين القلوب ويرتشف نبيذه الأحمر على وقع الآهات.


عدتُ إلى أمي أرجوها أن تعيدني إلى بطنها، إلى الفردوس الأول، فأجابتني:

ـ يا فلذة كبدي، لستُ إلا عبدًا مثلك، تتقاذفني أمواج الحياة. لكني أدركت حكمتها؛ فمنذ البدايات الخير والشر في صراع، فاصنع خيرًا تنجُ يوم اللقاء، واترك الحساب لرب الأرض والسماء.


هكذا هي أقدارنا؛ تجري بنا بلا شاطئ، حتى ترسو المرساة في يوم الحساب، حيث تنتهي الحكايات، وتفصل بيننا الجنة والنار.


14/08/2025

شفاءالروح 

الجزائر🇩🇿

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .