الأربعاء، 3 سبتمبر 2025

طفل من ركام بقلم الراقي عبد الله سعدي

 طفل من ركام

بقلم: عبد الله سعدي

من قلبِ الجدار المتداعي، من بين صرخةٍ انكسرت تحت سقفٍ مهدَّم، يخرج طفلٌ صغير…

عاري القدمين، لكنّه يخطو كأنه يسير على بساطٍ من نور، يحمل في عينيه ما تبقّى من الحلم، وفي يديه كسرة خبزٍ يتيمة يخبّئها كسرٍّ مقدّس.

طفلٌ من ركام… يولد من تحت الحجارة كما تولد الوردة من صلابة الصخر.

لا يعرف للدمية وجهًا، فيصنعها من قماشٍ محروق، ويكلّمها كأنها أمٌّ تعودُ لتحتضنه في صمته.

لا يعرف للبيت بابًا، فيرسمه على الجدار المكسور بأصابع متربة، ثم يقف أمامه منتظرًا أن يفتح له الغياب.

يمشي بين الأنقاض كأنه يسير في مدرسة غريبة، دروسها وجعٌ، وكتبها حجارة، وأساتذتها أصوات الأمهات المنطفئات.

وحين يسأل الأرض: "أما زلتِ أمّي؟"

تجيبه الأزهار البرّية التي أصرّت أن تزهر فوق الخراب: "نعم، نحن أمّك التي لا تموت".

وحين يسأل السماء: "أما زلتِ تنجبين النور؟"

تُرسل له شعاعًا صغيرًا، يسقط على وجهه، فيبتسم رغم كلّ شيء.

طفلٌ من ركام، لكنه ليس ابنَ الدمار…

إنه ابنُ الحياة التي تأبى أن تُمحى.

ابنُ الغد الذي يتكوّن من أنفاسه الصغيرة.

ابنُ وطنٍ يتعلّم من براءته كيف ينهض من الرماد، ليكتب بضحكته الأولى نشيدًا لا تنطفئ حروفه.

طفلٌ من ركام…

لكنه يعلّمنا أن تحت الحجارة قلبًا يخفق، وأن في رماد البيوت جناحًا يستعدّ للطيران.


بقلم: عبد الله سعدي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .