عندما كنت عنترة
بقلم: سيد حميد عطاالله الجزائري
إنها متعالية كأنها سيدة قافلةٍ تمخر بوادٍ لا يُدرك مداه، لا أعلم كيف ربط قلبي نياطَه بعقال ناقة جامحة، وكيف صار يتبع خطاها كما يتبع الحادي نغمةً تاه صداها في الرمل.
تمشي مشية الملوك، تاجها من وهج السراب، وهيبة خطوها كوقع سنابك الخيل إذا غبرت ساحة الوغى.
ترسم في طريقي علامات استفهام ملتوية، كأعمدة خباءٍ مائل، وكأوتاد قبةٍ ضربتها الريح حتى انحنت.
وعندما تقصد الغدير مع الأخريات
أعرف من مشيتها أنها صعبة كناقة جموح، وهناك جنب عين الماء تلتهي بهاتفها تصور نفسها، ثم تقتل آخر رسالة بعثتها لها بضغطة جرة، تحاول تجاهلي في جاهليتها الأولى، تتماهى مع الأخريات، لكنني ما تماهيت معها؛ لعنادها الذي يشبه عناد الإبل.
كل يوم أنظم لها قصيدة من صمت، أودعها في جراب سهم وأبعثها مع الريح نحوها، فتردّها إليّ مثقوبة، كأنها وصلت إلى راهبة لا تعترف بغير طقس النسك، أو إلى عرّافٍ يقرأ الرمل ولا يفهم لغة الدم.
في فناء خيمتها مقبرة لكل قصائدي التي بعثتها لها، وكأنها جنود قتلوا في أول نزال عند مضارب قبيلتها، تجلس منتصرة وتشرب قهوتها بجمجمة من أحدى قصائدي الغزلية، وأنا ما زلت أقول : قفا نبك، أمن ذكرى حبيب، أم من ذكرى عدو؟
أما معلقتي فهي أول ضحية من ضحاياها ترقد بمثواها، لا تدري بأي ذنب قتلت.
هي لا تحاورني، بل تناجزني.
عيناها قذيفتان، نظراتها كالرماح إذا انغرست في خاصرة فارس، وكالسيوف إذا اصطكت على حناجر العدو.
قلبي معها ليس قلبًا، بل ساحة نزال، تدوسه سنابك الإبل وتُغرقه سيوف الأعداء، فيظل ينزف حتى يتحول إلى وادٍ من حسرات.
ومع ذلك أبقى.
كفارس أعزل يقف على أطلال خباء محترق، يأبى أن يرفع لواء الاستسلام، يترقب في قسوتها ندى سريًا، وفي صحرائها غديرًا خفيًا، وفي معركتها وعدًا مكتومًا بالصلح.
هي لا تشبه الأخريات، أجل.
إنها تشبه نجمة في سماء الفلاة، لا تُنال باليد، لكنها تهدي الركبان.
ولهذا، وإن كنت مهزومًا بين يديها، لم أرَ في النساء من تجعل الهوى قدرًا محتومًا، وتحوّل القلب ديوانًا لا يُقرأ إلا بمداد الدم والرماد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .